فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 111

وكما قال حسّان بن ثابت: [من الخفيف]

ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم

وما أشكّ أنّك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطيّة لك، ووجّهت حلمنا عنك إلى الخوف منك، وقد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حقّ الصفح، فجعل العفو سببا إلى سوء القول: [من الطويل]

فإن عدت والله الذي فوق عرشه ... منحتك مسنون الغرارين أزرقا

فإنّ دواء الجهل أن تضرب الطّلى ... وأن يغمس العرّيض حتى يغرّقا

وقال الأوّل: [من الكامل]

وضغائن داويتها بضغائن ... حتّى شفيت وبالحقود حقودا

وقال الآخر: [من البسيط]

وما نفى عنك قوما أنت خائفهم ... كمثل وقمك جهّالا بجهّال

فاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ... ووازن الشّرّ مثقالا بمثقال

فإنّا وإن لم يكن عندنا سنان زفر بن الحارث، ولا معارضة هؤلاء الشرّ بالشرّ، والجهل بالجهل، والحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعوديّ: [من الطويل]

فمسّا تراب الأرض منه خلقتما ... وفيه المعاد والمصير إلى الحشر

ولا تأنفا أن ترجعا فتسلّما ... فما كسى الأفواه شرّا من الكبر

فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في السّرّ

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له كيما يلجّ ويستشري

وقال النّمر بن تولب: [من الطويل]

جزى الله عنّي جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب

بما خبّرت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد أوليتها في النوائب

يقول: أخرجت خبرها، فخرج إلى من أحبّ أن يعاب عندها.

ولو شئت أن نعارضك لعارضناك في القول بما هو أقبح أثرا وأبقى وسما، وأصدق قيلا، وأعدل شاهدا.

وليس كلّ من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنّه ليس من عارض فقد انتصر، وقد قال الشاعر قولا، إن فهمته فقد كفيتنا مؤونة المعارضة، وكفيت نفسك لزوم العار، وهو قوله: [من السريع]

إن كنت لا ترهب ذمّي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل

فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل

فالسامع الذمّ شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل

مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل

ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل

فلا تهج إن كنت ذا إربة ... حرب أخي التجربة العاقل

فإنّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خيل خابل

تبصر في عاجل شدّاته ... عليك غبّ الضرر الآجل

وقد يقال: إنّ العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، وقد قال الشاعر: [من البسيط] والعفو عند لبيب القوم موعظة ... وبعضه لسفيه القوم تدريب

فإن كنّا أسأنا في هذا التقريع والتوقيف، فالذي لم يأخذ فينا بحكم القرآن ولا بأدب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يفزع إلى ما في الفطن الصحيحة، وإلى ما توجبه المقاييس المطّردة، والأمثال المضروبة، والأشعار السائرة، أولى بالإساءة وأحقّ باللائمة، قال الله عزّ وجل: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} . وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: «لا يجن يمينك على شمالك» .

وهذا حكم الله تعالى وآداب رسوله والذي أنزل به الكتاب ودلّ عليه من حجج العقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت