فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 111

وعبتَني برسائلي الهاشميّات، واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيَها، وتصويري لها في أحسَن صورة، وإظهاري لها في أتمِّ حلية، وزعمتَ أنّي قد خرجتُ بذلك من حدِّ المعتزلة إلى حد الزيديّة، ومن حدّ الاعتدال في التشيُّع والاقتصاد فيه، إلى حدِّ السرف والإفراط فيه، وزعمتَ أنّ مقالة الزيدية خطبة مقالةِ الرافضَة، وأنّ مقالة الرافضة خطبة مقالة الغاليَة، وزعمتَ أنّ في أصل القضيّة والذي جَرَتْ عليه العادة، أن كلَّ كبير فأوّلهُ صغير، وأنَّ كلَّ كثير فإنما هو قليل جُمع مِنْ قليل، وأنشدت قول الراجز:

[من الرجز]

قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنّما القرم من الأفيل

وسحق النخل من الفسيل

وأنشدت قول الشاعر: [من الرجز]

ربّ كبير هاجه صغير ... وفي البحور تغرق البحور

وقلت: وقال يزيد بن الحكم: [من الكامل]

فاعلم بنيّ فإنّه ... بالعلم ينتفع العليم

إنّ الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم

وقلت: وقال الآخر: [من المديد]

صار جدّا ما مزحت به ... ربّ جدّ ساقه اللعب

وأنشدت قول الآخر: [من الكامل]

ما تنظرون بحقّ وردة فيكم ... تقضى الأمور ورهط وردة غيّب

قد يبعث الأمر الكبير صغيرة ... حتّى تظلّ له الدماء تصبّب

وقالت كبشة بنت معد يكرب: [من الطويل]

جدعتم بعبد الله آنف قومه ... بني مازن أن سبّ راعي المحزّم

وقال الآخر: [من السريع]

أيّة نار قدح القادح ... وأيّ جدّ بلغ المازح

وتقول العرب: «العصا من العصيّة، ولا تلد الحيّة إلا حيّة» .

وعبت كتابي في خلق القرآن، كما عبت كتابي في الردّ على المشبّهة

وعبت كتابي في القول في أصول الفتيا والأحكام، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه. وعبت معارضتي للزيديّة وتفضيلي الاعتزال على كلّ نحلة، كما عبت كتابي في الوعد والوعيد، وكتابي على النصارى واليهود ثمّ عبت جملة كتبي في المعرفة والتمست تهجينها بكلّ حيلة، وصغّرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ناسخيها والمنتفعين بها، فعبت كتاب الجوابات، وكتاب المسائل، وكتاب أصحاب الإلهام، وكتاب الحجّة في تثبيت النبوّة، وكتاب الأخبار، ثمّ عبت إنكاري بصيرة غنام المرتدّ، وبصيرة كلّ جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتراض الغمر، وبين استبصار المحقّ، وعبت كتاب الردّ على الجهميّة في الإدراك. وفي قولهم في الجهالات. وكتاب الفرق ما بين النبيّ والمتنبي. والفرق ما بين الحيل والمخاريق. وبين الحقائق الظاهرة والأعلام الباهرة. ثمّ قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير لقدره والتهجين لنظمه، والاعتراض على لفظه، والتحقير لمعانيه، فزريت على نحته وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه، ثمّ طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، والغاية التي إليها قصدنا. على أنّه كتاب معناه أنبه من اسمه، وحقيقته آنق من لفظه، وهو كتاب يحتاج إليه المتوسط العامي، أما الرّيض فللتعلّم والدربة، وللترتيب والرياضة، وللتمرين وتمكين العادة، إذ كان جليله يتقدم دقيقه، وإذا كانت مقدّماته مرتبة وطبقات معانيه منزّلة. وأما الحاذق فلكفاية المؤنة، لأن كلّ من التقط كتابا جامعا، وبابا من أمّهات العلم مجموعا، كان له غنمه، وعلى مؤلّفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى صاحبه كدّه، مع تعرّضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله المكدود على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأوّلين والحسدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت