وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (النَّمْلِ: 23 - 26) .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ} (الْآيَةَ: 62) ؛ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ التَّخَلُّصِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلُصَ مِنْ وَصْفِ الْمُخْلِصِينَ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ، إِلَى وَصْفِ الظَّالِمِينَ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ.
وَمِنْهُ أَنَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ذَكَرَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ الْمَاضِينَ مِنْ آدَمَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قِصَّةِ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالَ فِي آخِرِهَا: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} (الْآيَةَ: 155) إِلَى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} (الْآيَةَ: 157) وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ التَّخَلُّصِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَيْثُ قَصَدَ التَّخَلُّصَ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْطِئَةِ لَهُ، وَمِنْ بَدِيعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} (يُوسُفَ: 3) يُشِيرُ إِلَى قِصَّةِ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَوَطَّأَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَى ذِكْرِ الْقِصَّةِ، يُشِيرُ إِلَيْهَا بِهَذِهِ النُّكْتَةِ مِنْ بَابِ الْوَحْيِ وَالرَّمْزِ. وَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ مُوَطِّئًا لِلتَّخَلُّصِ إِلَى ذِكْرِ مُبْتَدَأِ خَلْقِ الْمَسِيحِ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} الْآيَةَ (آلِ عِمْرَانَ: 33) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (الْبَقَرَةِ: 115) ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: مَا وَجْهُ اتِّصَالِهِ بِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} الْآيَةَ (114) ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي"تَفْسِيرِهِ":"سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ الدَّهَّانَ يَقُولُ: وَجْهُ اتِّصَالِهَا هُوَ أَنَّ ذِكْرَ تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَدْ سَبَقَ، أَيْ فَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ذَلِكَ وَاسْتَقْبِلُوهَا، فَإِنَّ لِلَّهِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ".
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} الْآيَةَ (الْغَاشِيَةِ: 17 - 18) ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: مَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالسَّمَاءِ وَالْجِبَالِ وَالْأَرْضِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ وَالْجَوَابُ: إِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَجْرَى الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْوَبَرِ؛ فَإِنَّ جُلَّ انْتِفَاعِهِمْ فِي مَعَايِشِهِمْ مِنَ الْإِبِلِ، فَتَكُونُ عِنَايَتُهُمْ مَصْرُوفَةً إِلَيْهَا، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِأَنْ تَرْعَى وَتَشْرَبَ، وَذَلِكَ بِنُزُولِ الْمَطَرِ، وَهُوَ سَبَبُ تَقْلِيبِهِمْ وُجُوهَهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وَحِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ كَالْجِبَالِ، ثُمَّ لَا غِنًى لَهُمْ- لِتَعَذُّرِ طُولِ مُكْثِهِمْ فِي مَنْزِلٍ- عَنِ التَّنَقُّلِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى سِوَاهَا، فَإِذَا نَظَرَ الْبَدَوِيُّ فِي خَيَالِهِ وَجَدَ صُورَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَاضِرَةً فِيهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ.