وَتَأَمَّلِ ارْتِبَاطَ سُورَةِ {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} بِسُورَةِ الْفِيلِ؛ حَتَّى قَالَ الْأَخْفَشُ: اتِّصَالُهَا بِهَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِ: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} (الْقَصَصِ: 8) .
وَمِنْ لَطَائِفِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ أَنَّهَا كَالْمُقَابِلَةِ لِلَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ السَّابِقَةَ قَدْ وَصَفَ اللَّهُ فِيهَا الْمُنَافِقَ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: الْبُخْلِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَالرِّيَاءِ فِيهَا، وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، فَذَكَرَ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْبُخْلِ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (الْكَوْثَرِ: 1) أَيِ الْكَثِيرَ. وَفِي مُقَابَلَةِ تَرْكِ الصَّلَاةِ {فَصَلِّ} أَيْ دُمْ عَلَيْهَا، وَفِي مُقَابَلَةِ الرِّيَاءِ {لِرَبِّكَ} أَيْ لِرِضَاهُ لَا لِلنَّاسِ، وَفِي مُقَابَلَةِ مَنْعِ الْمَاعُونِ: {وَانْحَرْ} ، وَأَرَادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الْأَضَاحِيِّ، فَاعْتَبَرَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ الْعَجِيبَةَ.
وَكَذَلِكَ مُنَاسَبَةُ فَاتِحَةِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ بِالتَّسْبِيحِ، وَسُورَةِ الْكَهْفِ بِالتَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ حَيْثُ جَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحْمِيدِ، يُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الزَّمْلَكَانِيُّ فِي بَعْضِ دُرُوسِهِ مُنَاسَبَةَ اسْتِفْتَاحِهِمَا بِذَلِكَ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتُتِحَتْ بِحَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ مِنَ الْخَوَارِقِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالْمُشْرِكُونَ كَذَّبُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: كَيْفَ يَسِيرُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ! وَعَانَدُوا وَتَعَنَّتُوا وَقَالُوا: صِفْ لَنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرُفِعَ لَهُ حَتَّى وَصْفَهُ لَهُمْ. وَالسَّبَبُ فِي الْإِسْرَاءِ أَوَّلًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِصُعُودِ السَّمَاوَاتِ، فَافْتُتِحَتْ بِالتَّسْبِيحِ تَصْدِيقًا لِنَبِيِّهِ فِيمَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَهُمْ لَهُ تَكْذِيبُ عِنَادٍ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِهَذَا الَّذِي كَذَّبُوهُ، وَأَمَّا الْكَهْفُ فَإِنَّهُ لَمَّا احْتَبَسَ الْوَحْيُ، وَأَرْجَفَ الْكُفَّارُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْزَلَهَا اللَّهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ نِعْمَتَهُ عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ أَتَمَّ عَلَيْهِ بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ فَنَاسَبَ افْتِتَاحُهَا بِالْحَمْدِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى السُّوَرِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْآيَاتِ وَتَعَلُّقِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ! بَلْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ يَظْهَرُ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ.