أن الله تعالى قال: {أو دمًا مسفوحًا} لاتبع الناس ما في العروق كما اتبعت اليهود الشحم. وقد تطبخ المرقة وفيها الصفرة ويكون على اللحم والدم، فلا تقع في الطعام فلا يؤكل. ودم الشاة قبل أن تذكى حرام قليله وكثيره، كلحمها قبل الذكاة، وكذلك دم كل حيوان لا يؤكل لحمه قليله وكثيره سواء كلحمه. ولا خلاف أن الشاة إذا ذكيت فخرج دمها أنه مسفوح محرم، فإن خرج من الشاة قبل أن تقطع، وقبل أن يظهر منها الدم كالتي تشوى جاز أكلها. واختلف إذا قطعت فظهر لدم. فقال مالك مرة: حرام، وجعل الإباحة فيه مل لم يظهر لأن تتبعه في العروق حرج، وقال مرة: حلال لقوله تعالى: {أو دمًا مسفوحًا} وكذلك اختلف في دم ما لا يحتاج إلى ذكاة وهو الحوت. فقال الشيخ أبو الحسن القصار: ليس بنجس، وحمل قول مالك بغسله على الاستحسان، وهو قول أبي الحسن القابسي أيضًا. فعلى هذا يكون حلالًا، والمشهور من قول مالك أنه نجس. وهو أظهر لعموم قوله تعالى: {والدم} لأن الدم حرام لا لعلة. فإن كان ذلك الدم سائلًا جاريًا كالذي يكون في بعض الحوت، كان كالمسفوح من حيوان البر، وإن كان غير سائل ولا جاري، جرى على الخلاف في مثله من البري، ويختلف فيما كان من الدم مما ليس له نفس سائلة، فعلى القول بأنه يحتاج إلى ذكاة يحرم ما كان من دمه قبل الذكاة، ويختلف فيما ظهر بعد الذكاة، وعلى القول بأنه لا يحتاج إلى ذكاة يحرم منه ما كان في حال الحياة، فقال أبو إسحاق: هي ميتة، وقد يصلي بها، وقال الباجي: هو دم قد استحال فطهر كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى منه من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرًا، أو كما
يستحيل الخمر إلى الخل، وإنما فارة المسك شيء للحيوان كما يحدث البيض في الطير، وقد أجمع المسلمون على طهارته كذا قال. وقال غيره: أكثر العلماء على طهارة المسك وجواز بيعه، حكي عن بعض التابعين أنه نجس، فلا يجوز بيعه لأنه ميتة ولأنه دم. والدليل على طهارته استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له، وقوله: (( أطيب الطيب المسك ) )، ويحتمل أن يقال على قول أبي إسحاق المذكور قيل إن ميتة ودم. إلا أن الشرع أباحه فيخصص بذلك من عموم الآية.
(173) - قوله تعالى: {ولحم خنزير} [البقرة: 173] .