قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: واستقبال البيت وجهان:
أولاً: فكل من كان يقدر على رؤية البيت ممن بمكة فِي مسجدها ، أو منزل
منها ، أو سهل ، أو جبل ، فلا تجزيه صلاته حتى يصيب استقبال البيت ؛ لأنه
يدرك صواب استقباله بمعاينته.
ثانياً: وإن كان أعمى وسعه أن يستقبل به غيره البيت ، ولم يكن له أن
يصلي وهو لا يرى البيت بغير أن يستقبله به غيره ، فإن كان فِي حال لا يجد
أحداً يستقبله به ، صلى وأعاد الصلاة ؛ لأنه على غير علم ، من أنه أصاب
استقبال القبلة ، إذا غاب عنه بالدلائل التي جعلها الله ، من النجوم ، والشمس ، والقمر ، والرياح وغيرها ، مما يستدل به أهل الخبرة على التوجه إلى البيت .
الأم (أيضاً) : باب (إبطال الاستحسان) :
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فإن قيل فبم يتوجه إلى البيت ؟
قيل: قال اللَّه تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)
وقال: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16) .
وكانت العلامات جبالاً يعرفون مواضعها من الأرض ، وشمساً ، وقمراً ، ونجماً مما يعرفون من الفَلَكِ ، ورياحاً يعرفون مهابها على الهواء ، تدل على قصد البيت الحرام ، فجعل عليهم طلب الدلائل على شطر المسجد الحرام فقال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) الآية.
وكان معقولاً عن اللَّه - عز وجل - أن يأمرهم بتولية وجوههم شطره ، بطلب الدلائل عليه ، لا بما استحسنوا ، ولا بما سنح فِي قلوبهم ، ولا خطر على أوهامهم بلا دلالة جعلها اللَّه لهم ، لأنه قضى ألَّا يتركهم سدى ، وكان معقولاً عنه لأنَّه إذا أمرهم أن يتوجهوا شطره ، وغيب عنهم عينه ، أن لم يجعل لهم أن يتوجهوا حيث شاؤوا لا قاصدين له بطلب الدلالة عليه.
الرسالة: باب (كيف البيان ؟) :