وتتضح حكمة تقديم المجادلة قبل معرفته بكنه ضيوفه: ما حصل من إبراهيم -عليه السلام-، حيث لمّا عرَف الملائكة وسبب مجيئهم جادلهم في عذاب قوم لوط!"فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط"، فلعل -الحكيم العليم- أراد أن لا تدخل الرحمة على قلب لوط حينما يعلم بخبر ضيوفه وأسباب مجيئهم.
الثانية: المعروف أن لوطا أرسل لعدة قرى متجاورة، فلعل المراد هنا بـ"المدينة"هي القرية التي كان يستوطنها لوط، وتترادف القرية والمدينة في القرآن، ففي قصة موسى والخضر جاء فيها:"أهل قرية استطعما أهلها"ثم قال:"وأما الجدار فكان لغلامين يتيمن في المدينة".
و"ال"في"المدينة عهدية، وهي: بلدة سدوم."
الثالثة: سبب استبشار أهل المدينة: أنهم علموا أن لوطا عليه السلام قد ضيّف عنده رجالا حسان الوجوه [1] ، فحدثتهم أنفسهم الدنيئة أن يفْجروا بهم!، وقد جاء ذلك مبينًا في مواضع أخرى، فقد قال تعالى في سورة القمر:"ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر" [2] .
وجاء بصيفة المضارعة"يستبشرون"لإفادة التجدد مبالغة في الفرح [3] .
الرابعة: يدل قوله تعالى:"أهل المدينة"على شيوع المنكر عند أهل المدينة كلها، ووصلوا درجة الاستبشار بحيث يبشر أحدهم الآخر بمقدم الضيوف؛ كي يصيبوا منهم الحرام.
الخامسة: وُصف مجيئهم في سورة هود بأنهم مسرعين يستحثون الخطى، قال -تعالى-:"وجاءه قومه يهرعون إليه ..."، و لك أن تتخيل هذا الموقف من أهل هذه القرية الدَّنِسة، فقد جاءوا إلى نبي الله مسرعين بعنف وقوة، يبشر بعضهم ببعض فرحين مسرورين مصرين على ارتكاب الخبائث مع الأضياف الأطهار، فدافع عنهم بكل ما أوتي من حجة:
يمكن إجمال تفسيرها في المسائل الآتية:
الأولى: في معاني الكلمات الواردة:
(1) جاء في بعض المصادر أنهم: مرد، ولم أجده في سنة صحيحة، وذكرت بعض الروايات عن ابن عباس أن امرأة لوط هي من أخبرت بوجودهم.
(2) تفسير الخازن 4/ 70، أضواء البيان 3/ 141.
(3) التحرير والتنوير 12/ 53.