الصفحة 5 من 19

في أرض السوء"سدوم"، فأخبروه حقيقتهم، وسبب مجيئهم، وأمروه بأن يخرج بأهله ليلًا حتى لا ينتبه لهم أحد من قومه، وحرّصوه على أهل بيته المؤمنين به أن يخرجهم ويكون هو آخرهم كي يتفقدهم، بحيث لا يتأخروا ولا يلتفت منهم أحد، وأرشدوه بأن يمضي ويسير إلى المكان المأمور به، ثم أخبروه بالخبر المؤكد، والعذاب المستجلب، والهدف المحقق:"وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين".

قال تعالى:"وجاء أهل المدينة يستبشرون"

هذا هو المنعطف الأهم في قصة لوط [1] .

وفي جوانب تفسير هذه الآية خمسة مسائل:

الأولى: تقدم قبل عدة آياتٍ أن لوطًا عرف ضيوفة، وأنهم الملائكة، وأخبروه بمهلك قومه، وطريقة نجاته ثم جيء بالعطف"وجاء أهل المدينة يستبشرون"الواو هنا لا تفيد ترتيب معطوفها؛ إذ إن مجيء قومه ومحاجته لهم كانت قبل علمه بكنه ضيوفه، وبعذاب قومه [2] ، وهو واضح في سياق القصة في سورة هود، فقد قالت الملائكة بعد محاجة لوط لقومه في شأن ضيوفه:"يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك"، و مما يؤكد ذلك: أنه حاور قومه وجادلهم مجادلة الحريص الضعيف"أو آوي إلى ركن شديد"،وعرْضِ بناته عليهم، وخوفه العار والفضيحة من سطوتهم على ضيوفه، كل ذلك يؤكد أن مجيء أهل المدينة كان قبل علمه بكنه ضيوفه خلافا لترتيب التلاوة في هذه السورة.

وسبب هذه المخالفة: أنه هنا قدم الكشف عن طبيعة الملائكة منذ اللحظة الأولى، وأخّر حكاية القوم وائتمارهم بضيف لوط؛ لأن المقصود هنا ليس القصة بترتيبها الذي وقعت به، ولكن تصديق النذير، وأن الملائكة حين ينزلون فإنما ينزلون للعذاب، فلا يُنظر القوم ولا يمهلون [3] .

وقد ذكر ابن عطية احتمالا آخر: أن المجيء والمحاورة كانت بعد علمه بهلاكهم، وحاور تلك المحاورة على جهة التكتم عن ضيوفه، والإملاء لقومه، والتربص بهم [4] ، وهو بعيد؛ لمخالفته سياق الآيات الآخرى.

(1) وهو سبب اختيار شيخنا د. زيد بداية المقطع منه، موافقًا بذلك حِبَهُ الحبر ابن عاشور عندما قال 13/ 53: عطف جزء من قصة قوم لوط وهو الجزء الأهم فيها

(2) ينظر: البحر المحيط لأبي حيان 5/ 455، تفسير ابن كثير 1/ 542، التحرير والتنوير لابن عاشور 12/ 52

(3) في ضلال القرآن 4/ 2147.

(4) المحرر الوجيز 3/ 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت