اقتناع عقلي، أو مع وجود الدليل ولكنه متابعة لاتجاه أو لزيد من الناس، لا الأمر عنده ـ أي المقلد، وجود الدليل، وإنما الانتصار لاتجاه معين، وتعصب له محرم على أهل النظر والعلم في حكم الدين.
والحكمة المرادة من نبذ التقليد في الإسلام: هو تحريك العقل ليقوم بدوره، وهو رفض محاكاة السابقين، وتقليد الوافدين في معتقداتهم وعاداتهم، بل لا بد من النظر إلى هذه الأفعال والمعتقدات، ووضعها موضع الاختبار، فالإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنة آبائه وأجداده، بل يقول له يجب عليك أن تفتح عينيك، ولا تنقاد لما يبقيك مغمض العينين، يحق لك أن تنظر في شأنك، بل في أكبر شأن من شئون حياتك، ولا يحق لآبائك أن يجعلوك ضحية مستسلمة للجهالة التي درجوا عليها، والإسلام يأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه وأجداده، كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب والأوزار من أولئك الآباء والأجداد، وينعي على أولئك الذين يستمعون الخطاب أن يعفوا أنفسهم من مؤنة العقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها.
قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) [1] ، وقال أيضًا: (وإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) [2] . فالإسلام علم أهله أن يطالبوا الناس بالحجة؛ لأنه أقامهم على سواء المحجة، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ويدعوه إليه، وعلى هذا درج سلف هذه الأمة الصالح، قالوا بالدليل، وطالبوا بالدليل، ونهوا عن الأخذ بشيء من غير دليل.
كذلك نهى الأئمة الأربعة: عن تقليدهم، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة ولا دليل؛ يقول الإمام أبو حنيفة: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين نقلناه [3] ، ويقول الإمام مالك: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافقهما فاتركوه [4] ، ويقول الإمام الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه
(1) - سورة البقرة: 170.
(2) - سورة المائدة: 104.
(3) - حاشية ابن عابدين على البحر الرائق 6/ 293.
(4) - جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر رقم 891 ص 123.