ولقد وجدت أن كتَّاب الشيعة يميلون إلى هذا الرأي، بل إنه يكاد يكون كالعقيدة لهم، وقد طوَّل الأحمدي في الاستشهاد لهذا الأمر، وخلص إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُخاطب كل قوم بلسانهم؛ العرب بالعربية، والعجم بلغاتهم، فقال [1] : (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا إلى الناس كافة، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم وعربيهم وعجميهم، فعلمه الله لغاتهم وعرفه كلماتهم لإتمام الحجة - ولله الحجة البالغة - وقال تعالى:(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ، فعلمه الله جميع اللغات، لأنه بعث إلى جميع الناس، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) . ونُقل أنه لما حضر عنده بلال، وتكلم بلسان الحبشة (اره بره كنكرة كرى كرى منذره) فتحير الحاضرون، بينه هو - صلى الله عليه وسلم - )).
وعلى كل حال فهذا أحد الآراء في هذه المسألة، ولكنه رأي مرجوح، لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لو ثبت أنه تكلم بعض المفردات كما في صحيح البخاري وغيره، فإنَّ هذا لا يعني إتقانه لهذه اللغة ومعرفته بها، بل حتى لو قلنا بإتقانه لهذه اللغة أو تلك فإننا لا نستطيع أن نزعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خاطب أهل لغة بلغتهم خطابًا متواصلًا.
الأمر الثاني: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ باللغة العربية فقط، وكان يعرف ويدرك أن كلامه سيترجم إن في حياته أو بعد وفاته.
ويستدل لهذا الرأي بما نقلته عن ابن حجر في الاستدلال السابق حيث قال [2] : (( ويحتمل أن يقال لا يستلزم ذلك نطقه بجميع الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق ) ).
وقال أيضًا [3] : (( ووجه الدلالة منه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل باللسان العربي، ولسان هرقل رومي، ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه، والمترجم المذكور هو الترجمان ) ).
(1) يُنظر المصدر السابق: 1/ 80 - 88، وهذا النقل خاصة في: 1: 83.
(2) فتح الباري: 6/ 184، دار المعرفة - بيروت، تصحيح.
(3) المصدر السابق: 13/ 516، ونقل عن ابن بطال في الفتح: 9/ 10 أنه قال: (( مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوًا كان أو غير متلو إنما نزل بلسان العرب ولا يرد على هذا كونه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم ) ).