فهذه نقولات دالة على أن الترجمة أمر حتمي، بل على حد تعبير ابن الوزير [1] هو ضرورة، حيث قال: (( ولولا ضرورة الترجمة للعجم ما شك منصف أنَّ الأولى منع هذا سدًا للذريعة ) ).
وبهذا يتوضح اتفاق علماء الطوائف على هذه المسألة، ووجوب الترجمة، لأن بيان الشرع لا يكون إلا بترجمة نصوصه من اللغة العربية إلى لغات أخرى يحتاجها أهل تلك هذه اللغات، ولو أضفنا ما استشهدنا به في الفرع الثاني من المبحث الأول ههنا لكان الأمر سائغًا، بل هو من صميمه، ذلك أن استشهدنا في ذلك المكان لمن رأى أن الترجمة تنوب في التبليغ عن إتقان جميع اللغات، وهو الرأي الأصوب، والأقرب إلى طبيعة هذا الدين.
وهذا الفرع هو ما أختتم به بحثي من بيان ما أنتجه العلماء من كتب وجهود في نقل الأحاديث وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى لعات أخرى غير اللغة العربية، فينضم محتوى هذا المطلب إلى الأدلة السابقة في مشروعية الترجمة وضرورتها، لأن اتفاق أهل العلم على عمل ما يدل على مشروعيته وجوازه.
وأدرك في هذا الصدد أن الإحاطة بكل ما كُتب، أو بكل جهد في هذا الجانب أمرٌ محال، لأنه في البداية لم يُنقل إلينا كل ما كتب من مصنفات حديثية بغير اللغة العربية، ثم إن الإحاطة بكل ما ذُكر ونقل أمرٌ في غاية الصعوبة، ولست أدعي في هذا المطلب الكمال أو الاقتراب منه، بل حسبي بأني نقبت وبحثت، وما وجدته صالحًا للاستدلال ذكرته، وما تركته أكثر مما أثبتّته، وما أدى الغرض بذكر شاهد أو شاهدين لا أطلب له أكثر.
(1) إيثار الحق على الخلق: 135، دار الكتب العلمية - بيروت ط الثانية 1987 م.