ولهذا فما في هذا المبحث هو مبلغ علمي أولًا، ولست أدعي فيه الإحاطة، ثم ما ترجح عندي جدوى ذكره، فهو اختيار ثانيًا، وأرجو أن أكون وُفقت في هذا وما جانبت الصواب.
بقي أن أنوه إلى أنَّ ما سيذكر في البحوث الأخرى في هذه الندوة من جهود في ترجمة لغة ما لا شك أن سيكون فيها كثير من الإثراء، ويمكن أن تكون مما يستدل به في هذا المقام، وعند النظر في جهودهم رأيت أنها تتوزع بين التدريس والمناظرة، والتأليف بغير اللغة العربية، وبخاصة لدى المحدثين.
لا شك أن عددًا كبيرًا من السلف الأوائل كانوا يدرسون بلغات الأقوام التي دخل إليها الإسلام وأهلها ليسوا من العرب، ولا ممن يُحسن العربية، وقد سبق وبينت أن العلماء أجمعوا على جواز نقل نصوص الدين إلى لغات هؤلاء، ونجد من النوع الأول أي التدريس أمثلة متنوعة منها ما رواه أبو نعيم [1] ، وابن عساكر [2] عن تميم بن عطية العنسي قال: كثيرا ما كنت أسمع مكحولا يُسأل، فيقول: نادانم، بالفارسية لا أدري.
ومكحول كان رجلًا فارسيًا كما ذكر أهل التواريخ، ولعله كان يقول هذه الكلمة عندما يخاطب العجم، وهذا يقتضي أن يكون خاطبهم وشرح لهم وفهمهم بالفارسية كما يُفهم من النص.
وروى ابن عساكر [3] ، وكذا هو عند الذهبي [4] في ترجمة إبراهيم بن ديزيل، عن يحيى الكرابيسي أنه قال: صححنا كتبنا بإبراهيم، قال ومر يومًا حديث فقال يحيى: قد كنا سمعناه، فقال إبراهيم: سمعتموه بالفارسية، وتسمعونه اليوم بالعربية.
وقد وقفت على عدد من العلماء كانوا يدرسون بغير العربية، وبالذات باللغة الفارسية، نظرًا لأنها لغة الجمع الأكبر الذين دخلوا في
(1) حلية الأولياء: 5/ 179، دار الكتاب العربي - بيروت، ط الرابعة 1405 هـ.
(2) تاريخ مدينة دمشق: 60/ 218، تحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري، دار الفكر - بيروت 1995 م.
(3) المصدر السابق: 6/ 389.
(4) سير أعلام النبلاء: 13/ 188 /، تحقيق مجموعة من الباحثين، وهذا الجزء تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط الثانية 1412 هـ، 1992 م.