والمقصود بهذا العنوان ما سلكه خلفاؤه - صلى الله عليه وسلم - وقواد الجيوش وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين من اهتمامهم واتخاذهم للمترجمين، وحرصهم على التبليغ بما يفهمه الآخرون، اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، واتباعًا لما سلكه.
وبين يدي في هذا الصدد نصوص كثيرة، ولعل الناظر إلى كتب التواريخ والسير يجد الشيء الكثير من هذا، بل إن كتب المغازي والتواريخ قد حفلت بذكر ما كان عليه المسلمون عندما يتوجهون لفتح بلدة أو مدينة من مدن العجم من فرس ورومان وغيرهم، وما كان يحدث بينهم من محاورات ومساجلات، فيبين لهم قادة الفتوح مرادهم، وهذا المراد ما هو إلا تكرار لما كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ويطلبه من بقية الأمم، وهذا كله كان يحتاج إلى مترجمين يبينون هذا، وهو عين ما كان يتم، ولولا الإطالة لاستوعبت ما ذكره المؤرخون ومؤلفو المغازي من هذا الأمر، ولكن أكتفي بذكر بعض النماذج القليلة التي أرى أنها تفي بالغرض والله أعلم.
فمن ذلك ما رواه أبو داود في القدر، واللالكائي [1] وابن بطة [2] ، والفريابي في القدر [3] واللفظ له، وغيرهم [4] عن عبد الله بن حريث قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالجابية والجاثليق ماثل بين يديه، والترجمان يترجم، فقال: عمر من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق: إن الله تعالى لا يضل أحدًا! فقال عمر: ما تقول؟ فقال الترجمان: لا شيء، ثم عاد في خطبته فلما بلغ من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له قال الجاثليق: إن الله تعالى لا يضل أحدًا، فقال عمر ما تقول؟ فأخبره، فقال: كذبت يا عدو الله، ولولا ولت عهد لك لضربت عنقك، بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك ثم يدخلك النار إن شاء الله ثم قال إن الله عز وجل لما خلق آدم عليه الصلاة
(1) شرح أصول أهل السنة والجماعة: 4/ 659، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة - الرياض 1402 هـ.
(2) الإبانة الكبرى: 1/ 192 - 193، تحقيق: د. عثمان عبد الله آدم الأثيوبي، دار الراية - الرياض، ط الثانية 1418 هـ.
(3) القدر: 66 - 67، تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم، دار ابن حزم - بيروت، الطبعة الأولى 1421 هـ.
(4) انظر ابن أبي حاتم - التفسير: 5/ 1625 رقم 8595، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصربة - صيدا.، وابن وهب في القدر 113، تحقيق د. عبد العزيز عبد الرحمن العثيم، دار السلطان - مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1401 هـ، ونسبه المزي في تهذيب الكمال لأبي داود، وكذا عزاه له المتقي الهندي في كنز العمال: 1/ 178، وأضاف في تخريجه أسماء أخرى، والآجري في الشريعة، وابن عساكر في تاريخ دمشق: 27/ 316.