فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 8321

اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور ، أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال: صدقت وبررت ، وقال تعالى: { ولكن البر من اتقى } [ البقرة: 189 ] فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام . واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه ، أحدها: وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية ، وثانيها: قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما . وثالثها: أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد A قالوا: هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم ، ورابعها: أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول A يخبرون مشركي العرب أن رسولًا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث الله محمدًا حسدوه وكفروا به ، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره ، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم ، وخامسها: وهو قول الزجاج أنهم كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة ، وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت ، وسادسها: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد A في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه ، وسابعًا: أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد A ، ثم إنهم ما آمنوا به ، أما قوله: { وتنسون أنفسكم } فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفًا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه ، فالمراد بقوله: { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله: { وأنتم تتلون الكتاب } فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت