فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 8321

[ الأعلى: 14 ] أي تطهر وقال: { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَدًا } [ النور: 21 ] وقال: { وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ } [ فاطر: 18 ] أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارًا سمي بالزكاة تشبيهًا بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانًا في الصورة ، ولهذا قال A: « عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلًا فوق الرأس وتكون سترًا في النار » . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه: { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } [ التوبة: 103 ] .

المسألة الثالثة: قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين } [ البقرة: 43 ] ففيه وجوه أحدها: أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضًا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها: أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها: أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهيًا عن الاستكبار المذموم وأمرًا بالتذلل كما قال للمؤمنين: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة: 54 ] وكقوله تأديبًا لرسوله عليه السلام: { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [ الشعراء: 215 ] وكمدحه له بقوله: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران: 159 ] وهكذا في قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعوان } [ المائدة: 55 ] فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى: { وأكلهم السحت } [ المائدة: 62 ، 63 ] وبقوله: { وأخذهم الربا . . . وأكلهم أموال الناس بالباطل } [ النساء: 161 ] فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوبًا ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد A .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت