فهرس الكتاب

الصفحة 3552 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة ، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم ، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا وفي الآخرة ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي { كَرْهًا } بضم الكاف ههنا ، وفي النساء والأحقاف ، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة ، وفي النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك . فقيل: هما لغتان . وقيل: بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه .

المسألة الثانية: قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي A ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به .

واعلم أن السبب وإن كان خاصًا إلا أن الحكم عام ، فقوله: { أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } وإن كان لفظه لفظ أمر ، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء . والمعنى: سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم .

واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان ، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر . أما إقامة الأمر مقام الخبر ، فكما ههنا ، وكما في قوله: { استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } [ التوبة: 80 ] وفي قوله: { قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدًّا } [ مريم: 75 ] وأما إقامة الخبر مقام الأمر ، فكقوله: { والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } [ البقرة: 233 ] { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } [ البقرة: 228 ] وقال كثير:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت

وقوله: { طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } يريد طائعين أو كارهين . وفيه وجهان: الأول: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله ، وسمى الإلزام إكراهًا لأنهم منافقون ، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقًا عليهم كالإكراه ، والثاني: أن يكون التقدير: طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم .

ثم قال تعالى: { لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } يحتمل أن يكون المراد أن الرسول A لا يتقبل تلك الأموال منهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا تصير مقبولة عند الله .

ثم قال تعالى: { إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فاسقين } وهذا إشارة إلى أن عدم القبول معلل بكونهم فاسقين . قال الجبائي: دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات ، لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة ، وعلل ذلك بكونهم فاسقين ، ومعنى التقبل هو الثواب والمدح ، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا مدح ، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى ، ثم إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة ، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت