اعلم أن في كيفية النظم وجيهن: الأول: أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال . والثاني: قال القاضي: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات ، بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال: { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة ، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل ، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا } [ النساء: 10 ] .
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الباطل وجهين: الأول: أنه اسم لكل ما لا يحل في الشرع ، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة وجحد الحق . وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها مجملة ، لأنه يصير تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم بطريق غير مشروع ، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل صارت الآية مجملة لا محالة . والثاني: ما روي عن ابن عباس والحسن Bهم: أن الباطل هو كل ما يؤخذ من الانسان بغير عوض ، وبهذا التقدير لا تكون الآية مجملة ، لكن قال بعضهم: إنها منسوخة ، قالوا: لما نزلت هذه الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا ، وشق ذلك على الخلق ، فنسخه الله تعالى بقوله في سورة النور: { لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } [ النور: 61 ] الآية . وأيضا: ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصدقات والهبات ، ويمكن أن يقال: هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص ، ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت ، ولا تنسخ إلى يوم القيامة .
المسألة الثالثة: قوله تعالى: { لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل؛ لأن قوله: { أموالكم } يدخل فيه القسمان معا ، كقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو إنفاقه في معاصي الله ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه .
ثم قال: { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي: { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع . أما من نصب فعلى «كان» الناقصة ، والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة ، وأما من رفع فعلى «كان» التامة ، والتقدير: إلا أن توجد وتحصل تجارة . وقال الواحدي: والاختيار الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة فقال: تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى وإن كان جائزا .