واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع .
النوع الأول: قوله: { واعبدوا الله } قال ابن عباس: المعنى وحدوه ، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: { ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } [ البقرة: 21 ] .
النوع الثاني: قوله: { وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله: { واعبدوا الله } أمر بالاخلاص في العبادة بقوله: { وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركًا ولا يكون مخلصًا ، ولهذا قال تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينة: 5 ] .
النوع الثالث: قوله: { وبالوالدين إحسانا } واتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله: { فَضَرْبَ الرقاب } [ محمد: 4 ] أي فاضربوها ، ويقال: أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير:
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدنيا ولا مقلية إن تقلت
واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع: أحدها: في هذه الآية ، وثانيها: قوله: { وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إلاّ إياه وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء: 23 ] وثالثها: قوله: { أَنِ اشكر لِى ولوالديك إِلَىَّ المصير } [ لقمان: 14 ] وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والاحسان اليهما . ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } [ الإسراء: 23 ] وقال: { وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حسنًا } [ العنكبوت: 8 ] وقال في الوالدين الكافرين: { وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفًا } [ لقمان: 15 ] وعن النبي A أنه قال: ( أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس ) وعن أبي سعيد الخدري Bه: أن رجلا جاء إلى النبي A من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام: « هل لك أحد باليمن فقال أبواي فقال: أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع وأستاذنهما فان أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما » . واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، قال أبو بكر الرازي: إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله أن ترك قتله ، فحينئذ يجوز له قتله؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي A نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا .