فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 8321

أما قوله تعالى: { ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } ففيه إشكال لأن قوله: { أَنتُمْ } للحاضرين و { هَؤُلاء } للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه ، أحدها: تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها: تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين ، وثالثها: أنه بمعنى الذي وصلته «تقتلون» وموضع تقتلون رفع إذا كان خبرًا ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج: ومثله في الصلة قوله تعالى: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } [ طه: 17 ] يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها: هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر «تقتلون» ، وأما قوله تعالى: { تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضًا ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو .

أما قوله تعالى: { تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون» بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله: { وَلاَ تَعَاوَنُواْ } ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى: { اثاقلتم } [ التوبة: 38 ] والحذف أخف والادغام أدل على الأصل .

المسألة الثانية: اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضًا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان .

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل: أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب: أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق .

المسألة الرابعة: الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة .

أما قوله تعالى: { وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم والكسائي: ( أسارى تفادوهم ) بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: «أسارى» بالألف و «تفدوهم» بغير ألف و «الأسرى» جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني: جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال: الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر ثعلب ذلك ، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت