قال رحمه الله في صفة المجيء:"... أما إسناد المجيء إلى الله تعالى والحركة والانتقال فمحال عليه لأنهما إنما يجوزان على من كان في جهة، فالمراد به التمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه ..." [1] .
هذه مقتطفات من كلام الفاكهاني رحمه الله دالة على أشعريته وتأويله للنصوص في باب الصفات.
وكما أن الفاكهاني رحمه الله كان على عقيدة الأشاعرة، فإنه أيضا قد تأثر ببعض ضلالات وخزعبلات الصوفية [2] ، هذا الفكر الخطير والمذهب الرديء الذي انتشر آنذاك في مصر والشام وغيرهما من بلاد الإسلام وكان له الأثر السيء في انتشار العقائد الشركية والبدعية كطلب البركة والنصرة من الأولياء في حياتهم وبعد مماتهم، ودعوى معرفتهم علم الغيب، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين والعكوف عليها، والاستغاثة بهم وطلب الدعاء منهم وعند قبورهم، وغير ذلك من عقائد الصوفية الباطلة التي كانت سببا في بعد طائفة من المسلمين عن دين الإسلام الحق الذي ارتضاه الله لعباده الصالحين وأولياءه المتقين.
يقول الدكتور/ سعيد عبد الفتاح عاشور وهو يتكلم عن الحياة الدينية في المجتمع المصري في عصر المماليك:"أهم ظاهرة اتصفت بها الحياة الدينية في عصر المماليك كانت انتشار الصوفية، ومن الثابت أنه وفد على مصر في القرن السابع الهجري كثير من مشايخ الصوفية - معظمهم من المغرب والأندلس مثل أبي الحسن الشاذلي، وأبي العباس المُرسي، وأبي القاسم القباري، والسيد أحمد البدوي - وهؤلاء وجدوا في مصر تربة صالحة لنشر تعاليمهم ومذاهبهم، ولم يلبث أن انقسم الصوفية إلى فرق، لكل فرقة شيخها وشعارها ... فأما عامة الشعب المصري في عصر سلاطين المماليك فقد آمنوا بالصوفية إيمانا راسخا ..." [3] .
(1) التحرير والتحبير (1/ 56/ ب من نسخة ب) . وانظر ما قاله ابن أبي زيد في صفة المجيء وغيرها من الصفات، وحكايته الإجماع على إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة في مبحث عقيدته.
(2) لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة المفضلة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وكان مفهوم الصوفية في بداية ظهوره عبارة عن لبس الصوف والزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة كما يصوره بعض أرباب التصوف، ثم تطور هذا المذهب فدخلته عقائد باطلة وطرق بدعية محدثة مخالفة للإسلام وما كان عليه السلف وأئمة الدين. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 5 وما بعدها، فرق معاصرة 2/ 595.
(3) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك ص 291.