الصفحة 30 من 1115

الكبار ولم يقنع بذلك، بل رحل إلى القاهرة للاستزادة من العلم، وسماع الحديث، والبحث عن أعالي الأسانيد، فتفقه على ابن دقيق العيد الإمام المجتهد الفقيه المحدث الأصولي المفتي في المذهبين (ت 702 هـ) ، وجمال الدين السقطي المصري الشافعي قاضي مصر (ت 707 هـ) وسمع منه سنن ابن ماجه، وأخذ فيها عن القاضي العلامة بدر الدين بن جماعة الحموي ثم المصري الشافعي (ت 733 هـ) وغيرهم من علماء مصر القاهرة الأعيان وفقهائها الأعلام، فمهر في فنون العلم حتى لقب بالإمام، وله في العربية والنحو معرفة وإلمام.

ونلاحظ أن الفاكهاني رحمه الله في هاتين المرحلتين تفقه على أشهر علماء مصر من أئمة المالكية والشافعية، وعلى رأسهم ابن المنيّر وابن دقيق العيد، وكان العز بن عبد السلام رحمه الله يقول:"مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية" [1] ، وقال القاضي تقي الدين بن شكر:"أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة: القرافي بمصر، والشيخ ناصر الدين بن منَيِّر بالإسكندرية، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المعزية" [2] .

وبعد هذه الرحلة الطويلة التي استغرقت سنين عديدة في طلب العلم وسماع الحديث رجع الفاكهاني رحمه الله إلى بلده لنشر العلم ونفع الخلق.

قال ابن الجزري والصفدي رحمهما الله"أقام بمصر سنين ثم عاد إلى بلده" [3] .

وقد كان الفاكهاني رحمه الله مُكباّ على العلم والتعلم والتعليم ومجالس الفقه، وحلقات أهل الذكر في الحلّ والتَّرحال، ولم ينقطع عن ذلك حتى في أواخر حياته شأنه شأن العلماء الكبار أصحاب الهمم العالية، ففي سنة 731 هـ رحل إلى دمشق، وزار القدس قبل وصوله إليها قاصدا الحج إلى بيت الله الحرام [4] صُحبة ركب الشام، والتقى في هذه الرحلة الطويلة الممتعة بجماعة من أعيان الفقهاء والقضاة

(1) الديباج المذهب 1/ 238، حسن المحاضرة 1/ 316، شجرة النور الزكية ص 188.

(2) الديباج المذهب 1/ 238.

(3) تاريخ حوادث الزمان 3/ 704، أعيان العصر 3/ 644.

(4) قال ابن فرحون رحمه الله: حجّ غير مرّة. الديباج 2/ 81. قالت أسماء العسّاف وفقها الله في مقدمة تلخيص العبارة ص 9:"ذكرت كتب التراجم أنه حج إلى بيت الله غير مرة لكنها لم تحدد هذه الحجج أو سنواتها"قلت: نقل ابن الجزري عن علم الدين البِرْزالي أنه سأل الفاكهاني عند قدومه إلى دمشق سنة 731 عن عدد حججه فأخبره بأنه حج ثلاث حجج. حوادث الزمان 2/ 468، 3/ 705، وإذا أضفنا إليها الحجة الأخيرة التي حجها مع الركب الشامي سنة 731 يكون مجموع ما حج أربع حجات، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت