أيضًا هذه الملائكة تتشكل وتأتي في صورة الأناسيّ، صورة الإنسان ويدل على ذلك حديث جبريل المشهور: (بينما كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ أتى رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يبدو عليه أثر السفر ولا يعرف منا أحد) أمر عجيب جدًا وهم في المدينة في وسط الصحراء القاحلة هناك رمال وهناك غبار والمسافر يعلوه الغبار كما أن الشعثة تظهر عليه فهذا رجل مسافر لا يبدو عليه شيء من ذلك، وهو مع ذلك شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وفي نهاية الحديث: (أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: التمسوه، فالتمسناه فلم نجده، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمور دينكم) إذن: تشكل جبريل في صورة هذا الرجل الذي رآه الصحابة جميعًا حتى تعجبوا من حسنه مع أنه ليس من جملة أهل المدينة، وكثيرًا ما كان يَتَشَكَّلُ جبرائيل -عليه السلام- في صورة دحية الكلبي، دحية بن خليفة الكلبي، هذا صحابي جليل.
أيضًا في سورة مريم يُخبر ربنا -سبحانه وتعالى- أنه أرسل إلى مريم بشرًا سويًا ?فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّ? [مريم: 17] ?فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ? أي: تشكل وأتى في مثل الروح البشرية السوية.
وكذلك أيضًا أضياف إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- عندما أتو إليه فأوجس منهم خيفة قالوا: لا تخف، ?فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ? [الذاريات: 28] في قصة طويلة نثرها الله -عز وجل- في غير موضع من القرآن فتشكل الملائكة في صورة الأناسي هذا أمر مقرر وعليه الاتفاق وبه أتت النصوص والحمد لله رب العالمين.