فالعنعنة في رواية ابن إسحاق عن أبي الزناد من يزيد بن هارون- كما نصَّ عليه الإمامُ أحمد-, وإبراهيم بن سعد اتَّبَعَ لفظَ ابنِ إسحاق, ولعلَّ يزيد بن هارون لم يكن يذكر ابن إسحاق إلاَّ في أوَّل المجلس- كعادتهم في رواية النسخ-. والله تعالى أعلم [1] .
وما تقدَّم هو فيما إذا ذكر المحدِّث في أوَّل روايتهِ النُّسخةَ اسمَ شيخه, ثمَّ يُحدِّث بعد ذلك تحديثًا مبهمًا يبتدئُ من شيخ شيخه, وقد لا يذكرُ الراوي اسم صاحب النسخة أو مَن يُحدِّث عنه أوَّل النسخة, فيكون ذلك دليلًا على الانقطاع عند السامعين؛ لدلالة (عن) في اللغة على المجاوزة ووجود الواسطة, ومنه ما احتجَّ أصحاب المذهب الثالث ممّا نُقل عن النسائي= أحمد بن شعيب (ت 303) من قوله في بقيَّة بن الوليد:
"إذا قال: حدثنا وأخبرنا, فهو ثقة, وإذا قال: عن فلان, فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يُدرى عمَّن أخذه" [2] . كذا ورد النص في بعض كتب الرجال, ووقع في بعضها بنحوه [3] , وفي بعضها الاقتصار على المقطع الأول فقط [4] , وفي بعضها تَكرار [5] .
والسبب: عدم معرفة الواسطة بين بقيَّة ومَن وراء (عن) , وإلاَّ لو كان يقصد بـ (من لا يُدرى) , الذي وراء (عن) , لكان كلامًا خَلْفًا غير مستقيم؛ فها هو ذا مكتوب اسمُه! فالذي أراه أنَّ مقالة النَّسائي في رواية بقيَّة لا تنطبق إلاّ عليه وعلى أمثاله ممَّن يدلِّس تدليسَه, فلا يظهر لي أنَّ بقيَّة يبتدئ مجلس التحديث بالعنعنة, وعمَّن لا يُدرى- وهو صاحب حديث-, فلعلَّه يرتكب ذلك الفعل في غضون المجلس بحيث لا يُفطن له, فتمرُّ مدلَّساتُه على الحاضرين, أو على كثير منهم, فهو يبتدِئُ المجلس بذكر الصيغة
(1) وينظر فتح المغيث (3/ 181 - 186) .
(2) تهذيب الكمال (4/ 198) . وفي أصله: تاريخ مدينة السلام (7/ 629) :"إن قال أخبرنا أو حدثنا فهو ثقة, وإن قال عن فلا يؤخذ عنه؛ لا يُدرى عمَّن أخذه".
(3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال (2/ 46) , وتوضيح الأفكار (1/ 352) .
(4) سير أعلام النبلاء (14/ 134) .
(5) المغني في الضعفاء (ص 109) وفيه:"وقال النسائي (في بقية بن الوليد) : اذا قال ثنا وأنبا, فهو: ثقة, واذا قال عن فلان وفلان: فلا".