فما جاء من قول أحمد بن شبويه- الذي ظاهره ابتداء المحدِّث بـ (عن) -, لا إشكال فيه على هذا البحث؛ فإنَّها ليست في مبتدأ الإسناد حقيقةً؛ فإنَّ الإسناد يبتدئ بـ (سفيان) , بل بمن قبل سفيان, وهو المحدِّث الذي حدَّث أحمدَ بن شبويه عن سفيان, فهو من باب الرواية من أهذا الباب, وهو ظاهر لمن تأمَّلَه.
وقصدُ الدوري أنَّ حديث ورقاء كان يبتدئ بـ (عن مجاهد) , وهي نسخته التي يرويها ابن أبي نجيح, لكن ورقاء اتَّكل على ما عُرِف عنه من أنّه يروي هذه النسخة من طريق ابن أبي نجيح فلم يعد يذكر اسمه في أوَّل الإسناد, وكان من يرويها عنه يقول: (ورقاء عن بن أبى نجيح عن مجاهد) , فكأنَّ الدوري تحرَّج من هذا الصنيع, ورأى فيه بأسًا, فسأل ابن معين عنه, أو أن يكون ذلك لِما في سماع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد من كلام [1] . والله تعالى أعلم.
ومن هذا الباب- مما وردَ في أدلَّة أصحاب المذهب الثالث- ما جاء في قصة عمرو بن أبي سلمة التنيسي مع الأوزاعي= عبد الرحمن بن عمرو (ت 157) :
"قلتُ للأوزاعي- في المناولة-: أقول فيها: حدَّثنا؟ قال: إنْ كنتُ حدَّثتُك, فَقُل. فقلت: أقول فيها: أخبرَنا؟ قال: لا. قلت: فكيف أقول: قال: قُل: قال أبو عمرو, وعن أبي عمرو" [2] .
فهنا لم يحدِّثه الأوزاعي, وكان الأوزاعي لا يرى الرواية من الصحف, بل يرى العمل دون الرواية [3] , فهو إذَن يُرشدُه إلى نصبِ قرينةٍ على عدم الاتصال, وهي: الابتداءُ بالعنعنة المشيرة بمادتها اللغويّة إلى المجاوزة, وكذلك فإنَّ تطبيق عمرو بن
(1) قال يحيى القطَّان:"لم يسمع ابن أبي نجيح من مجاهد التفسير كلَّه يدور على القاسم بن أبي بزة". التاريخ الكبير (5/ 233) , وكذلك فإنَّه قد وُصِمَ بالتدليس. ذِكْرُ المدلِّسين للنسائي (ص 123) .
(2) المحدث الفاصل (ص 436) .
(3) تاريخ مدينة دمشق (35/ 187) .