أمّا الأول, فقد مرّ الكلام عليه في مطلب التعريف اللغويِّ للعنعنة, فينظر هناك.
وأمّا الثاني, فهو دليل سلبيّ, وإذا أُريدَ نقضُه فيكون ذلك بإثبات وقوع خلافِهِ, والمجيء بمثال يدلُّ على أنّ أحدًا من الرواة قد ابتدأ تحديثه بقوله (عن فلان) , وقد ساق أصحاب المذهب الثالث- وهو التالي- أمثلةً لنقض هذا الدليل, وسيأتي سياقها في موضعها, ثم مناقشتها في موضعها المناسب- إن شاء الله تعالى-.
وأمّا الثالث, فهو مأخوذ من واقع عمل الرواة, والمدلِّسين بوجه الخصوص, إذا ابتدءوا بالإسناد فإنّهم لا يبتدئون بالعنعنة, والأمثلة التي يمكن أن تصلح للمذهب الأول في المطلب الأول= كلّها من مثاني الإسناد, لا من مبادئه.
وأمّا الرابع, فقد أحال فيه العلّامة المعلِّمي على"شرح القسطلّاني على صحيح الإمام البخاريّ"="إرشاد الساري", وهو شرح نافع جدًّا عمومًا, لكنه امتاز بتحرير صيغ الأداء وألفاظ روايات الصحيح, فينظر, وهو ملآن بما قال العلّامة المعلِّمي. وفيه زيادة- وليست مطّردة- على ما قال, أنّه حال ذكر المتابعات التي يوردها الإمام البخاري معلّقةً عن المدار, فإنّ القسطلّاني يزيد (في روايتهم) قبل (عن) التي ذكرها البخاري قبل المدار, كما في حديث حفص بن غياث:"قال: حدثنا الأعمش: حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أبرِدوا بالظُّهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنَّم". تابعه سفيان ويحيى وأبو عوانة عن الأعمش" [1] . فقال القسطلّاني بعد ذكر المتابِعين:"في روايتهم (عن الأعمش) " [2] .
وستأتي- إن شاء الله تعالى- مناقشة ما ورد بخلاف ذلك من الأمثلة, عن الموصوفين بالتدليس- كابن عيينة, ومن غيرهم كجرير بن حازم [3] .
(1) صحيح البخاري (513) .
(2) إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري (1/ 488) .
(3) قد وُصِف بالتدليس كما هو في تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس (ص 78 - 79) , وقد جَعَله ابن حجر في المرتبة الأولى منهم.