فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 45

وبعدُ فإنَّ أوَّلَ من نصَّ على نسبة العنعنة إلى غير من تليه مباشرةً هو: العلّامةُ عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني (ت 1386) رحمه الله تعالى, ذَكَرَ ذلك في موضعين من مصنَّفاته, ولم يذكره عَرَضًا, بل أشبع المسألة بحثًا, واستدلَّ لها, فقال:

"المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب (العنعنة) , مع أنَّ كلمة (عن) ليست من لفظ الراوي الذي يُذْكَرُ اسمُه قبلها, بل هي من لفظ مَنْ دونَه, وذلك كما لو قال همّام:"حدّثنا قتادة عن أنس", فكلمة (عن) من لفظ همّام؛ لأنّها متعلِّقة بكلمة (حدّثنا) , وهي من قول همّام؛ ولأنّه ليس من عادتهم أن يبتدئَ الشيخ فيقول: (عن فلان) , وإنّما يقول: حدّثنا, أو أخبرنا, أو قال, أو ذكر, أو نحو ذلك, وقد يبتدِئُ فيقول: (فلان ... ) - كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث (التدليس) من"فتح المغيث" [1] وغيره-, ولهذا يَكثُر في كتب الحديث إثباتُ (قال) في أثناء الإسناد قبل (حدثنا) و (أخبرنا) , وذلك في نحو قول البخاري:"حدّثنا الحميدي, قال: حدّثنا سفيان, قال حدّثنا يحيى بن سعيد", وكثيرًا ما تُحذَفُ فيزيدها الشُّرَّاح أو قرّاء الحديث, ولا تثبت قبل كلمة (عن) [2] , وتصفّح إنْ شئتَ"شرح القسطلاّني على صحيح البخاري", فبهذا يتّضح أنّه في قول همّام:"حدّثنا قتادة عن أنس"لا يُدرى كيف قال قتادة, فقد يكون قال:"حدّثني أنس", أو"قال أنس", أو"حدّثَ أنس", أو"ذَكَرَ أنس, أو"سمعتُ أنسًا"أو غير ذلك من الصيَغ التي تُصرِّح بسماعِهِ من أنس أو تحتمِلُه, لكن, لا يحتمل أن يكون قال:"بلغني عن أنس", إذ لو قال هكذا, لَزِمَ همّامًا أن يحكيَ لفظه أو معناه, كأنْ يقول:"حدّثني قتادة عمّن بلغه, عن أنس", وإلّا كان همّام مدلِّسًا تدليس التسوية,

(2) قد وردت, كما في مسند الطيالسي (115) :"حدثنا أبو داود, قال: حدثنا شعبة, قال عن أبي إسحاق قال: سمعت عاصم بن ضمرة السلولي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله وأوسطه وآخره, فانتهى وِترُه إلى السَّحَر". وهي كما ترى صيغة مبيَّنة, فقد قال: (قال عن ... قال) فهي من باب حكاية صفة الرواية, وإلا ما احتاج إلى (قال) الثانية. وسيأتي تأويلها بحول الله تعالى وقوّته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت