النوع الثاني: الرشوة للحصول على حق أو لدفع ظلم ولفقهاء المسلمين في هذه المسألة رأيين: الأول: يُجوّز دفع الرشوة للحصول على حق أو دفع ظلم، وهو رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة والظاهرية والإمامية، وهم يقولون بتحريمها على آخذها وأنها غير محرمة على معطيها، لأن دفع الضرر على المسلم واجب، ولا يجوز للآخذ أخذ المال ليفعل الواجب [1] ، واستدلوا على ذلك بقولهم بأن المعطي في ضرورة دفع الظلم ليس راشيًا، ومن يقدر على دفع الظلم على نفسه لم يحل له إعطاء فلس، أما من عجز فالمولى عز وجل يقول {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [2] كما أن الشخص الذي يدفع مقبل دفع الظلم في حالة عدم القدرة على دفعه يكون في حكم المكره، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [3] . أما الرأي الثاني: يُحرّم دفع الرشوة على العموم، سواء أكان ذلك لنيل حق أو لدفع ظلم أو ضرر [4] .
الراجح: نرى رجحان ما ذهب إليه جمهور الفقهاء استنادا لحالة الضرورة بشرط توافر شروطها، وذلك لقوله تعالى {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [5] ، واستنادا للقاعدة الفقهية الضرورات تبيح المحظورات، وعند الضرورة تباح المحظورة. على ألا يتخذ ذلك مطية للاتساع في دفع الرشوة لكل من أراد قضاء حاجة، فالأولى التعفف والاستعانة بالله وبالصبر على قضاء الحاجات.
النوع الثالث: هو دفع الرشوة للحصول على منصب أو وظيفة وهنا يمكن القول أنه من المسلم به فقهًا أن الوظيفة العامة أمانة في يد شاغلها يسأل عنها أمام الأمة التي تضعها
(1) - نص على الإجماع الرملي. نهاية المحتاج. المجلد الثامن. ص 255.- وقال القرطبي: ولا خلاف بين السلف على أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو مالا يجوز سحت حرام. الجامع لأحكام القرآن. المجلد السادس. ص 183.
(2) - القرآن الكريم. البقرة: 2. 286.
(3) - الفتاوى الكبرى. ابن تيمية. المجلد الرابع. ص 176.
(4) - ينظر هذا المعنى: بهنسي، أحمد فتحي. د. ت. المسؤولية الجنائية. ص 77.
(5) - القرآن الكريم. الأنعام: 6. 119.