هذا الحبيب يا محب 126


الحلقة مفرغة

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

وأعيد إلى أذهانكم أن دراسة السيرة النبوية الشريفة السامية الطاهرة المقصود منها الائتساء والاقتداء بالكمالات المحمدية؛ ليزداد الإيمان وتزداد الصالحات، وتسمو الأخلاق وترتفع الآداب، فما تتلى أو تقرأ أو يسمع إليها لمجرد قصة أو سيرة. بل:

أولاً: لتقوية الإيمان بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: لمجاهدة النفس حتى تتحلى بالأخلاق المحمدية والآداب المحمدية.

ومن هنا وانتهى بنا الدرس إلى الأخلاق المحمدية.

قال: [الكرم المحمدي] والآن مع الكرم المحمدي، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريماً؟ والله! لا أكرم منه، لا في العرب ولا في العجم، لا في الأولين ولا في الآخرين، سما سمواً لا نظير له، وسوف تشاهد ذلك وتسمع.

قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [إن الكرم المحمدي كان مضرب الأمثال، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً] فما سأله أحد ورده أبداً إلا قضى حاجته [وهو واجد ما يعطيه] بهذا الاحتراس، فلا يرد سائلاً إذا كان واجداً عنده ما يعطيه للسائل، أما إذا كان غير واجد فمن أين يعطي؟! فهو معذور.

أمثلة على جود وكرم النبي صلى الله عليه وسلم

قال: [فقد سأله رجل حلة كان يلبسها] والحلة في لغة القوم الآن البدلة، ثوبان من جنس واحد، فهي حلة يتحلى بها [فدخل بيته فخلعها، ثم خرج بها في يده وأعطاه إياها] أي: الحلة، ثوبان من نوع واحد تحلى بهما، فخرج بهما فشاهده هذا الطماع ويا ليتني مثله، فقال: يا رسول الله! أعطني إياها، فأعطاه إياها، فقيل له: لم يا هذا؟! قال: أريد أن تمس جسدي كما مست جسده صلى الله عليه وسلم. هذا الحب النبوي.

يا جماعة! إذا عرفتم حبكم له اتبعوه وامشوا وراءه، أما الحب بلا عمل كالمال بلا ثمن.

قال: [ففي صحيحي البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا ). وقال أنس بن مالك رضي الله عنه] خادمه [( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، سأله رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين )] في واد مملوء بغنم [( فأتى الرجل قومه فقال لهم: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة )] أي: الفقر.

لما دخل الرجل في الإسلام وانتشر الخير أعطاه غنماً كاملة بين جبلين، فقهال: خذها يا أعرابي، فرجع الأعرابي يقول لقومه: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فأسلموا.

قال: [إن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا] لا هم له إلا المال [فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها] فيأتي لا يريد إلا المال، فيواجه بالأنوار المحمدية والآداب والأخلاق فينتكس أو ينقلب، ويصبح لا أحب له من الإسلام، ويدخل في رحمة الله، وهذه آثار الكمال المحمدي.

وقوله: (فما يمسي) أي: لا يدخل في مساء ذلك اليوم. وقوله: (حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها) أي: الإسلام.

قال: [وحسبنا] أي: يكفينا [في الاستدلال على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد سئل عن جود الرسول وكرمه] فهذا الحبر ابن عباس سئل عن جود الرسول وعن كرمه، وذلك بعد وفاته [فقال: ( كان رسول الله أجود الناس )] وهو كذلك [( وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن )] هو طول العام جواد كريم، لكنه في رمضان أكثر؛ لأن جبريل ينزل إليه ويدارسه القرآن، وماذا بقي للدنيا من قيمة؟! فقد أصبح من أهل العالم العلوي، وأصحاب الجفاء في القنوط واليبوسة، أما أهل القرآن والمقبلون على الله والمتعبدون فترق قلوبهم وتصفو أرواحهم، والتعليل كما سمعتم، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان؛ حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن ) حتى يتثبت من حفظه وفهمه.

قال: [( فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة )] وهي التي دائماً ماشية لا تنقطع [بمعنى أن عطاءه دائم لا ينقطع بيسر وسهولة، وهاهي ذي أمثلة لجوده وكرمه صلى الله عليه وسلم:

أولاً: حملت إليه تسعون ألف درهم] جاء رجاله بتسعين ألف درهم من خراج أو غنيمة [فوضعت على حصير] في المسجد، وليس هناك بوليس يحرس [ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلاً حتى فرغ منها] فما رد سائلاً حتى انتهت التسعون ألف درهماً.

قال: [ثانياً: أعطى العباس رضي الله عنه] هذا عم الحبيب صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب [من الذهب مالم يطق حمله] فقال له: خذ يا عباس ، فأخذ يغرف ويغرف في طرف ثوبه، وأراد أن يقوم فما استطاع، فقال: يا رسول الله! خفف، قال له: لا، لا أعينك؛ حتى ترك منه بعضه، ولو كان خاتم ذهب اليوم لاقتتل عليه رجلان.

قال: [ثالثاً: أعطى معوذ بن عفراء ملء كفه حليًا وذهبًا لما جاءه بهدية من رطب وقثاء] فـمعوذ بن عفراء جاء بهدية للرسول صلى الله عليه وسلم رطب وقثاء، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم ملء كفه ذهباً. كريم جواد، والله! لم تعرف الدنيا مثله قط.

قال: [رابعاً: جاءه رجل] من الرجال [فسأله] طلب منه شيئاً [فقال: ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي )] أي: اشتر [( فإذا جاءنا شيء قضيناه )] يا رسول الله! أعطني، قال: ما عندي، قال: اذهب واشتر من السوق أي شيء على حسابي، وعندما يأتينا مال من ربي نعطيك ونسددك.

فقوله: (جاءه رجل) أي: من الرجال، وليس أبو بكر ولا عمر ، بل من عامة الناس (فسأله شيئاً فقال: ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي ) أي: اشتر ( فإذا جاءنا شيء قضيناه لك ) وسددنا دينك.

قال: [وكيف لا يكون الحبيب صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجودهم على الإطلاق، وهو القائل: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان)] ينزل اثنان من الملائكة [(يقول أحدهما)] سائلاً داعياً [( اللهم! أعط منفقاً خلفًا )] أي: أعط معطياً خلفاً [( ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكًا تلفًا )] فالرسول صلى الله عليه وسلم يخاف أن يقف هذا الموقف، وقد بلغه هذا: (ما من يوم من الأيام يصبح العباد فيه) أحياء ما قامت القيامة (إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً) أي: لماله.

قال: [والقائل أيضًا: ( يقول الله تعالى: ابن آدم! أنفق أُنفق عليك )] هذا الله نفسه يقول: ( ابن آدم أنفق أٌنفق عليك ) [وقد نزل عليه قول ربه جل وعز: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]] أي: وما أنفقتم من شيء قل أو كثر فهو يخلفه وهو خير الرازقين.

إذاً: تجلى لكم الكرم النبوي، فهيا نحاول أن يكون لنا منه نصيب، ما استطعنا.

قال: [فقد سأله رجل حلة كان يلبسها] والحلة في لغة القوم الآن البدلة، ثوبان من جنس واحد، فهي حلة يتحلى بها [فدخل بيته فخلعها، ثم خرج بها في يده وأعطاه إياها] أي: الحلة، ثوبان من نوع واحد تحلى بهما، فخرج بهما فشاهده هذا الطماع ويا ليتني مثله، فقال: يا رسول الله! أعطني إياها، فأعطاه إياها، فقيل له: لم يا هذا؟! قال: أريد أن تمس جسدي كما مست جسده صلى الله عليه وسلم. هذا الحب النبوي.

يا جماعة! إذا عرفتم حبكم له اتبعوه وامشوا وراءه، أما الحب بلا عمل كالمال بلا ثمن.

قال: [ففي صحيحي البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا ). وقال أنس بن مالك رضي الله عنه] خادمه [( ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، سأله رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين )] في واد مملوء بغنم [( فأتى الرجل قومه فقال لهم: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة )] أي: الفقر.

لما دخل الرجل في الإسلام وانتشر الخير أعطاه غنماً كاملة بين جبلين، فقهال: خذها يا أعرابي، فرجع الأعرابي يقول لقومه: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فأسلموا.

قال: [إن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا الدنيا] لا هم له إلا المال [فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها] فيأتي لا يريد إلا المال، فيواجه بالأنوار المحمدية والآداب والأخلاق فينتكس أو ينقلب، ويصبح لا أحب له من الإسلام، ويدخل في رحمة الله، وهذه آثار الكمال المحمدي.

وقوله: (فما يمسي) أي: لا يدخل في مساء ذلك اليوم. وقوله: (حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها) أي: الإسلام.

قال: [وحسبنا] أي: يكفينا [في الاستدلال على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد سئل عن جود الرسول وكرمه] فهذا الحبر ابن عباس سئل عن جود الرسول وعن كرمه، وذلك بعد وفاته [فقال: ( كان رسول الله أجود الناس )] وهو كذلك [( وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن )] هو طول العام جواد كريم، لكنه في رمضان أكثر؛ لأن جبريل ينزل إليه ويدارسه القرآن، وماذا بقي للدنيا من قيمة؟! فقد أصبح من أهل العالم العلوي، وأصحاب الجفاء في القنوط واليبوسة، أما أهل القرآن والمقبلون على الله والمتعبدون فترق قلوبهم وتصفو أرواحهم، والتعليل كما سمعتم، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان؛ حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن ) حتى يتثبت من حفظه وفهمه.

قال: [( فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة )] وهي التي دائماً ماشية لا تنقطع [بمعنى أن عطاءه دائم لا ينقطع بيسر وسهولة، وهاهي ذي أمثلة لجوده وكرمه صلى الله عليه وسلم:

أولاً: حملت إليه تسعون ألف درهم] جاء رجاله بتسعين ألف درهم من خراج أو غنيمة [فوضعت على حصير] في المسجد، وليس هناك بوليس يحرس [ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلاً حتى فرغ منها] فما رد سائلاً حتى انتهت التسعون ألف درهماً.

قال: [ثانياً: أعطى العباس رضي الله عنه] هذا عم الحبيب صلى الله عليه وسلم ابن عبد المطلب [من الذهب مالم يطق حمله] فقال له: خذ يا عباس ، فأخذ يغرف ويغرف في طرف ثوبه، وأراد أن يقوم فما استطاع، فقال: يا رسول الله! خفف، قال له: لا، لا أعينك؛ حتى ترك منه بعضه، ولو كان خاتم ذهب اليوم لاقتتل عليه رجلان.

قال: [ثالثاً: أعطى معوذ بن عفراء ملء كفه حليًا وذهبًا لما جاءه بهدية من رطب وقثاء] فـمعوذ بن عفراء جاء بهدية للرسول صلى الله عليه وسلم رطب وقثاء، فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم ملء كفه ذهباً. كريم جواد، والله! لم تعرف الدنيا مثله قط.

قال: [رابعاً: جاءه رجل] من الرجال [فسأله] طلب منه شيئاً [فقال: ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي )] أي: اشتر [( فإذا جاءنا شيء قضيناه )] يا رسول الله! أعطني، قال: ما عندي، قال: اذهب واشتر من السوق أي شيء على حسابي، وعندما يأتينا مال من ربي نعطيك ونسددك.

فقوله: (جاءه رجل) أي: من الرجال، وليس أبو بكر ولا عمر ، بل من عامة الناس (فسأله شيئاً فقال: ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي ) أي: اشتر ( فإذا جاءنا شيء قضيناه لك ) وسددنا دينك.

قال: [وكيف لا يكون الحبيب صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجودهم على الإطلاق، وهو القائل: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان)] ينزل اثنان من الملائكة [(يقول أحدهما)] سائلاً داعياً [( اللهم! أعط منفقاً خلفًا )] أي: أعط معطياً خلفاً [( ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكًا تلفًا )] فالرسول صلى الله عليه وسلم يخاف أن يقف هذا الموقف، وقد بلغه هذا: (ما من يوم من الأيام يصبح العباد فيه) أحياء ما قامت القيامة (إلا وملكان يقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً) أي: لماله.

قال: [والقائل أيضًا: ( يقول الله تعالى: ابن آدم! أنفق أُنفق عليك )] هذا الله نفسه يقول: ( ابن آدم أنفق أٌنفق عليك ) [وقد نزل عليه قول ربه جل وعز: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]] أي: وما أنفقتم من شيء قل أو كثر فهو يخلفه وهو خير الرازقين.

إذاً: تجلى لكم الكرم النبوي، فهيا نحاول أن يكون لنا منه نصيب، ما استطعنا.

قال: [الحلم المحمدي] هذه الأخلاق السامية: الكرم والحلم.

قال: [إن الحلم وهو ضبط النفس حتى لا يظهر منها ما يكره قولًا كان أو فعلاً عند الغضب] فالحليم إذا غضب يضبط نفسه، فلا يسب ولا يشتم، ولا يلعن ولا يفعل كما نفعل نحن والعياذ بالله، فإذا غضب يضبط نفسه، فلا يشتم ولا يسب ولا.. ولا.. فضلاً أن يضرب. هذا هو الحلم، وهذا هو الحليم.

قال: [وما يثيره هيجانه من قول سيئ أو فعل غير محمود] هذا بيان للحلم [وما يثيره] أي: الغضب [من قول سيئ] والقول السيئ كالسب أو الشتم أو كذا، والعمل السيئ الضرب والأخذ باليد [هذا الحلم كان فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم مضرب المثل] إي والله!.

أمثلة على حلم النبي صلى الله عليه وسلم

قال: [والأحداث التالية] اسمعوها [شواهد لحلمه فداه أبي وأمي، وصلى الله عليه وسلم، وذلك لتربية الله تعالى له، وإفاضته الكمالات على روحه صلى الله عليه وسلم] فما فاز بهذا الحلم إلا بسبب تربية الله تعالى له، وما أفاض على روحه من الكمالات.

قال: [أولاً: لما شجت وجنتاه وكسرت رباعيته ودخل المغفر في رأسه صلى الله عليه وسلم يوم أحُد قال: ( اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )]. أي حلم أعظم من هذا، والدماء تسيل، والجراحات صعبة [فهذا منتهى الحلم والصفح والعفو والصبر منه صلى الله عليه وسلم].

قال: [ثانياً: لما قال له ذو الخويصرة : اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله] لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا صعلوك من صعاليك الناس ذو الخويصرة لما كان يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم الصدقات والأموال قال له: اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله [حَلُمَ عليه وقال له: ( ويحك فمن يعدل إن لم أعدل )، ولم ينتقم منه ولم يأذن لأحد من أصحابه بذلك] أي: بأن يضره أو يؤذيه أو أن يصفعه أو يقول له كلمة، وجربوا الناس الآن وقولوا لهم هذا وانظروا، وامتحنوهم.

قال: [ثالثاً: لما جذبه الأعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت في صفحة عنقه صلى الله عليه وسلم] لا تلم بدوياً، فما تربى مثل هؤلاء في حجور الصالحين، وهذا شأنهم، لا بد أن يقع هذا منهم، فإن قيل: الآن يا شيخ كلنا بدو. أقول: وما دمنا لا نتربى في حجور الصالحين، وآباؤنا وأمهاتنا صعاليك مقبلون على الدنيا والأباطيل والتراهات ونحن نعبث في الليل والنهار، فما الفرق بيننا وبينهم؟! الذي لا يتربى في حجور الصالحين، فالأم والأب والأقارب بالكلمة الطيبة والآداب والأخلاق، ومن أراد أن يعرف فليسمع أصوات الأطفال فقط، والمؤدب لا تسمع صوته.

يا شيخ! النساء في الحجرة تصرخ، هذه هي الآداب، والله يقول على لسان لقمان الحكيم: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]، هذه آداب ربانية ونحن نصرخ؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين.

قال: [وقال: احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك] هذه عجيبة! [فإنك لا تحمل لي من مالك ومال أبيك] هذا مال الله، إياكم أن تقولوها أنتم الآن للناس، احذروا.

قال: [حلم عليه صلى الله عليه وسلم ولم يزد أن قال: ( المال مال الله وأنا عبده )] أي: عبد الله لا عبد المال [( ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي )] خوفه؛ لأنها تهمة عظيمة، اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيانة [( فقال الأعرابي: لا )] ما يقاد مني [( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم؟ قال: لأنك لا تكافئ السيئة بالسيئة، فضحك صلى الله عليه وسلم منه، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى آخر تمر )] بعير تمر كامل، وبعير شعير [فأي حلم عباد الله، وأي كمال هذا يا عباد الله؟!] فوق ما نتصور أو ندرك، ويحمل له على بعيرين، ما عفا عنه فقط، وكذلك ما ضربه.

ومن الأحداث الدالة على كمال خلقه صلى الله عليه وسلم كمال حلمه أيضاً:

قال: [خامساً: لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم انتصر لنفسه من مظلمة ظلمها قط] أي: ما ثبت في الحديث الصحيح ولا الضعيف أنه انتصر لنفسه في مظلمة ظلمها [ولا ضرب خادمًا ولا امرأة قط] وقد كان معه تسع نسوة، وما ضرب خادماً، قال أنس : [ عشر سنين وأنا أخدمه ما قال لي لشيء تركته: لم تركته، ولا لشيء فعلته: لم فعلته]. لم يثبت قط أنه انتصر لنفسه من مظلمة ظلمها قط، ولا ضرب خادماً ولا امرأة قط.

قال: [بهذا أخبرت عائشة رضي الله عنها] وعائشة الذي لا يحبها لا أحبه الله ولا رسوله، ولا دخل الجنة دار السلام، هذه بنت أبي بكر الصديق ، هذه أم المؤمنين. نزل القرآن ببراءتها من تلك التهمة الشيطانية في ثلاثين آية وختمت: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، فهل تكون للرسول زوجة غير طيبة، ويبقى الغافلون والهابطون والمقلدون والضلال إلى الآن يكرهونها وينتقدونها ويطعنون بها، ويزعمون أنهم مسلمون، أيبرؤها الله بنيف وثلاثين آية. والله إننا لنحبها ونحن أطفال نلعب، ورأيتها في بستاننا وأنا أحبها وأنا طفل، فأحبوها أنتم. فهذه حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت حِبه.

قال: [فقالت] أي: عائشة [( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرًا من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله )] أما إذا أوذي في دينه فلا يسكت، أما في ماله، وفي جسمه، وفي عرضه فلا يبالي أبداً، لكن إذا أوذي في دينه .. في الإسلام، فلا يرضى بالسكوت.

قال: [( وما ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادمًا قط ولا امرأة )] والذي أخبر بهذا عائشة وقد جاءت مهاجرة وتزوجها الرسول في السنة التاسعة من عمرها وعاشت معه حتى توفي، وهي التي تخبر بهذا.

قال: [خامساً: وجاءه زيد بن سعنة ] يهودي من يهود المدينة [أحد أحبار اليهود بالمدينة] أي: من علماء اليهود [جاءه يتقاضاه دينًا له على النبي صلى الله عليه وسلم] له على الرسول صلى الله عليه وسلم دين استدانه منه [فجذب ثوبه من منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وقال مغلظاً القول: إنكم يا بني عبد المطلب مطل] أي: لا تسددوا الدين، وهذا كافر لا يلام [فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر )] أنا وهو كنا أحوج من هذا الذي قلته يا عمر ، من هذا الغضب [( تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي )] هذا المفروض، كان المفروض منك يا عمر أن لا تغضب من اليهودي، بل تأمره بحسن التقاضي، وتأمرني بحسن القضاء، وليس بالغصب والصياح والشدة.

قال: [ثم قال: لقد بقي من أجله ثلاث] ثلاثة أيام أو ثلاث دراهم [وأمر عمر أن يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعاً لما روعه] سدد يا عمر الباقي علينا ثلاثة دنانير أو دراهم، وزده عشرين صاعاً مقابل أنك خوفته؛ لأن عمر انتهره وأراد أن يبطش به [فكان هذا سبب إسلامه فأسلم] فقد أسلم اليهودي عندما شاهد من الكمال المحمدي، ولام عمر وعاتبه، وبين له ماذا ينبغي أن يقول له ولليهودي كذلك، ثم سدد له دينه وزاده عشرين صاعاً فأسلم اليهودي.

قال: [وكان قبل ذلك] أي: هذا اليهودي [يقول: ما بقي من علامات النبوة شيء إلا عرفته في محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين] أي: ما من علامة من علامات النبوة إلا رأيتها من محمد إلا علامتين ما وجدتهما بعد [لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلماً] هاتان الصفتان: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل إلا حلماً [فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وصف] فاليهودي جاء ليمتحن فنجح؛ لأنه أراد الإسلام.

قال: [هذه قطرة من بحر الحلم المحمدي تذهب ظمأ من أراد أن يتحلى بالحلم ويتجمل به]. اللهم! اجعلنا منهم.

إن شاء الله تعودون إلى بيوتكم، وتمتحنون مع نساءكم وأطفالكم، مع زملائكم، يتجلى الحلم إن شاء الله.