خطب ومحاضرات
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [13]
الحلقة مفرغة
شرح حديث تكليم الله لعبد الله بن عمرو بن حرام كفاحاً
هذا الحديث تكلم فيه أهل العلم -في طلحة وغيره- ولكن معنى الحديث صحيح، وله شواهد.
يقول الشارح فيه: إسناده حسن، وقد توهم البوصيري رحمه الله فعده من زوائد ابن ماجه ، بل قال: هذا إسناده ضعيف. طلحة بن خراش قال فيه الأزدي : روى عن جابر مناكير، وذكره الذهبي في الميزان، وموسى بن إبراهيم قال فيه ابن حبان في الثقات: يخطئ.
قلت: طلحة صدوق ولا يؤثر فيه قول الأزدي ، فهو نفسه متكلم فيه.
فـالأزدي نفسه ضعيف، فإذا طعن في أحد فطعنه فيه نظر، وأيضاً فإن الترمذي قال: حسن غريب ثم أشار إلى رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر مختصراً، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله.
والأقرب أنه حسن، وهو حديث عظيم فيه معاني عظيمة، وفيه أن عبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنه لما استشهد يوم أحد خلف بنات وديناً فلحق ابنه جابر هم عظيم، ثم قضى دينه النبي صلى الله عليه وسلم وتزوج امرأة ثيباً حتى تقوم على أخواته.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جابراً منكسراً قال: (ألا أخبرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى، قال: إن الله كلم أباك كفاحاً) ، يعني: بدون واسطة، وهذه منقبة لـعبد الله بن حرام رضي الله عنه، وهو مستثنى من قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] ، فكلمه الله مباشرة بدون واسطة، كما كلم موسى عليه السلام من دون واسطة، وهذا منقبة خاصة بـعبد الله بن حرام ، فكلمه الله وقال له: تمن، قال: يا رب! أن أرد إلى دار الدنيا مرة أخرى حتى أقتل، وذلك لما رأى من فضل الشهادة، حيث صارت منزلته عند الله عالية، وثوابه عظيم، فتمنى أن يرد إلى الدار الدنيا مرة أخرى ويقتل، فقال الله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون، فمن مات لا يرجع إلى الدنيا، إلا من كان آية من الآيات مثل قتيل بني إسرائيل، أحياه الله ثم أخبر من قتله، ثم عاد في الحال.
وفيه دليل على بطلان الحديث الذي فيه أن الله أحيا أبوي النبي صلى الله عليه وسلم له وأنهما آمنا به، وقد ذكره السيوطي رحمه الله، وهذا من خرافاته، ذكر أن الله أحيا أبوي النبي له، وأنهما آمنا به، وكذلك ذكره أبو بكر بن العربي كما مر في تفسير سورة البقرة، في قوله: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118] ، فذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله أن هذا الحديث باطل، وأن الصواب أنه موضوع ولا أساس له من الصحة.
وهذا الحديث يدل على بطلانه قوله: (إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) أي: من مات لا يرجع إلى الدار الدنيا، ولا يفيد الإيمان بعد الموت، ولهذا قال الله تعالى لـعبد الله بن حرام : (إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: رب أبلغ من ورائي -يعني: في فضل الشهادة- فأنزل الله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]).
واليهود والنصارى يعتقدون أن عيسى قتل وصلب، والصحيح أنه رفع حياً كما في نص القرآن: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158].
قوله: (ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب) يعني: لم يره، أي: أنه كلمه ولكنه لم يره، فموسى عليه السلام كلمه الله من وراء حجاب ولم يره، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كلمه الله ليلة المعراج من وراء حجاب ولم يره، هذا هو الصواب، فهم محجوبون عن الرؤية، ويدل على ذلك حديث مسلم (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فلما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر : (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أره) يعني: النور حجاب يمنعني من رؤيته، ولا يستطيع أحد أن يرى الله، هذا هو الصواب.
وقال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وأن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه قول مرجوح.
شرح حديث: (إن الله يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ...)
وهذا رواه مسلم في صحيحه، وفيه إثبات صفة الضحك لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع ينكرون هذه الصفة ويؤولونها، وفيه بيان كيفية كون كل واحد منهما يدخل الجنة وهو أن المسلم يجاهد في سبيل الله فيقتله الكافر، ثم يتوب الله على الكافر فيسلم، فيقاتل فيستشهد، فكلاهما يدخل الجنة.
شرح حديث: (يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ...)
الحديث أخرجه الشيخان وفيه إثبات صفة القبض لله، وأن الله يقبض ويطوي، وهي من الصفات الفعلية، وفيه إثبات اسم الملك لله، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67].
وفيه إثبات عظمة الرب عز وجل، وأن هذه المخلوقات العظيمة لا تساوي شيئاً بالنسبة لعظمة الله، وجاء في الحديث الآخر: (أن الله تعالى يجعل السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر خلقه على أصبع، ثم يهزهن بيده، ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) .
وفي الحديث الآخر: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ، والخردلة هي الحبة الصغيرة.
فالناس يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أرض مبدلة، بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يعمل فيها خطيئة، فنفس هذه الأرض تتبدل وتتغير صفاتها، قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ [إبراهيم:48] ، فتمد كما يمد الأديم، ويزال ما عليها من الجبال والأشجار، فهذا هو تبديلها وتغييرها.
شرح حديث الأوعال
وهذا الحديث فيه ضعف من جهة عبد الله بن عميرة ، وفيه جهالة، وكذلك الوليد بن أبي ثور فيه ضعف، وعبد الله بن عميرة مجهول، ولكن الحديث له شواهد، ولهذا حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب في آخر باب في كتاب التوحيد؛ لأن له شواهد كثيرة تدل على العلو، وفيه إثبات العلو لله عز وجل، وفيه إثبات السماوات السبع، وأن فوق السماء السابعة بحراً بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم ملائكة على صورة الأوعال، يحملون العرش، والله تعالى فوق العرش، وهو الحامل للعرش ولما حول العرش بقوته وقدرته لا يحتاج إلى أحد سبحانه وتعالى.
وجاء في الحديث الآخر: إن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وهنا إحدى أو اثنتان وسبعون، قال العلماء في الجمع بينهما: إن هذا يختلف باختلاف السير، فالسير السريع يكون اثنتان وسبعون سنة، والسير البطيء يكون خمسمائة سنة، فسير المجد السريع يختلف عن السير البطيء.
الحديث إسناده ضعيف، والوليد بن عبد الله بن أبي ثور ضعيف، وعبد الله بن عميرة الكوفي مجهول تفرد بالرواية عنه سماك بن حرب ، ولم يوثقه سوى ابن حبان ، وقال البخاري في تاريخه الكبير: ولا يعلم له سماع من الأحنف ، ومن العجب أن الترمذي حسن حديثه هذا، ولعله حسنه لشواهده، وحسنه شيخ الإسلام ابن تيمية .
هو ضعيف بهذا السند، لكن إذا ضمت إليه الشواهد فإنه يرتقي إلى درجة الحسن، والشواهد كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة في إثبات العلو لله عز وجل.
فقد دل على علو الله أكثر من ثلاثة آلاف دليل، كما ذكر العالم الجليل ابن القيم ، فالأدلة على ثبوت العلو أكثر من أن تحصر.
شرح حديث: (إذا قضى الله أمراً في السماء ضربت الملائكة أجنحتها)
وفي اللفظ الآخر: (ويصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء) ، وأخرجه البخاري. وهذا حديث عظيم فيه إثبات صفات الله عز وجل، وإثبات الكلام لله عز وجل، وفيه أن الملائكة يصرعون من كلام الله ويصعقون، وهذا ذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، في باب قول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23] .
قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله) أي: لقول الله عز وجل، وفيه إثبات قول الله والرد على من أنكر القول والكلام، ففيه أن الله يقول ويتكلم كلاماً يليق بجلاله وعظمته، خلافاً للجهمية والمعتزلة الذين أنكروا الكلام، وكذلك الأشاعرة الذين أثبتوا الكلام على أنه معنى قائم في نفسه، قالوا: ومعنى قائم في نفس الرب أنه ليس بحرف ولا صوت.
وفيه: أن الملائكة يصيبهم الصعق والغشيان، (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) يعني: زال الفزع، وفيه أن الشياطين يسترقون السمع ويسمعون الكلمة التي يتحدث بها عن السماء الدنيا أو يتحدث بها الملائكة في العلن في السحاب، ثم يلقيها الشيطان إلى من تحته، ويلقيها الآخر إلى من تحته حتى تصل إلى الكاهن، والشياطين بعضهم فوق بعض هكذا وحرك الراوي أصابعه ومدها، واحداً فوق واحد فوق واحد إلى السماء، مثل المتلاصقين، فالشياطين كثيرون في طبقات الجو، يركب بعضهم بعضاً وبينهم فجوات، فيسمع الشيطان الأعلى الملائكة تتكلم في العنان، فيلقيها إلى من تحته، والآخر إلى من تحته حتى تصل إلى الشيطان الأسفل فيلقيها في أذن الكاهن، ويقرها كقر الدجاجة، فإذا وصلت إلى الكاهن كذب معها مائة كذبة، وتحدث الناس بهذا الكذب، فإذا وقعت الواحدة من السماء صدق الكاهن بجميع الكذب من أجل واحدة، وهذا يدل على انتشار الشر والباطل.
والشهب تلاحق الشياطين وتحرقهم، فأحياناً تحرقهم حتى يصل الإحراق إلى الشيطان الأكبر، وأحياناً الشيطان الأسفل يلقيها في أذن الكاهن قبل أن يدركه الشهاب، ومرة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وهذا يدل على أن الشياطين كثيرون في الأرض والسماء؛ لأن هذه الشهب تحرقهم ومع ذلك هناك من يسترق السمع، فهم كثيرون لا ينتهون.
وفيه إثبات الكلام لله عز وجل، وإثبات القول، وإثبات العظمة لله، وأن الملائكة مع عظمة خلقهم يسمعون ويغشى عليهم من كلام الله عز وجل، وفيه إثبات الصوت حيث قال: (كأنه سلسلة على صفوان) أي: كأن الصوت الذي سمعه من كلام الله سلسلة من الحديد ضربت على صفوان، وهو الحجر الأملس، حيث يكون لها صوت، وهذا من باب تحقيق وتقريب الصفة، والمراد به التشبيه، وفيه إثبات كلام الله عز وجل، وأن كلام الله يكون بحرف وصوت يسمع، كما دلت الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث في الصحيحين، أن الله يوم القيامة يقول: (يا آدم ! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار)، وفي الحديث الآخر: (إن الله ينادي بصوت يوم القيامة، يسمعه من بعد كما يسمه من قرب)، وفيه الرد على من أنكر الصوت من الأشاعرة والجهمية والكلابية وغيرهم، فكلهم أنكروا الكلام، وأنكروا الحرف والصوت، والأشاعرة والكلابية أثبتوا الكلام لكن بغير حرف ولا صوت، وقالوا: هو معنى كائن في النفس، وهذا من أبطل الباطل، فجعلوا الرب كالأخرس لا يتكلم، وقالوا: الكلام معنى قائم في نفسه، والذي تكلم هو جبريل، حيث فهم المعنى القائم بالنفس اضطره الله لذلك فعبر يعني: هذا القرآن، وأحياناً يقولون: عبر به محمد، فهذا القرآن كلام محمد، أو كلام جبريل، والمعنى من الله والحروف من جبريل أو من محمد، وهذا من أبطل الباطل، وهو مذهب الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى أهل السنة، نسأل الله السلامة والعافية.
والمؤلف قصد الرد عليهم بهذه الأحاديث التي فيها هذه الصفات.
أما بالنسبة لكلام الله لـعبد الله بن حرام فهو لم يكن من وراء حجاب، يعني: كلمه بدون واسطة، وهذا معنى كفاحاً، كما كلم موسى من دون واسطة، وكلم الله نبينا صلى الله عليه وسلم، ليلة المعراج بدون واسطة جبريل، أما الرؤيا فلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا)، هذا في رؤيا يوم القيامة.
شرح حديث: ( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ...)
هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي موسى رضي الله عنه، وفيه أن الله سبحانه وتعالى منزه عن النوم، والنوم أخو الموت، وهو من العيوب التي ينزه عنها الرب سبحانه وتعالى كالموت والعماء والصمم والبكم والخرس.
قوله: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له لا ينام) يعني: يستحيل عليه النوم، فلهذا أتى بكلمته: (إن الله لا ينام) يعني: لا يقع منه النوم، ولا ينبغي له النوم؛ لأن النوم أخو الموت، ولأنه من العيوب التي ينزه عنها الرب.
قوله: (يخفص القسط ويرفعه) أي: العدل، وفيه إثبات أنه يخفض ويرفع، وهذا من الصفات الفعلية، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل الليل.
قوله: (حجابه النور)، احتجب عن خلقه سبحانه وتعالى بالنور، والنور حجاب مخلوق، وهو غير النور الذي هو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، ولذلك قال: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور:35].
قوله: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، قوله: (من خلقه) عام، وفيه دليل على أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا حتى نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الحديث عام: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، والنبي صلى الله عليه وسلم من خلقه، وهو حجة جمهور القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج، وهذا أصح قول للعلماء، وقال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعيني رأسه، وهو قول مرجوح، والصواب أنه لم يره بعيني رأسه لهذا الحديث؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) رواه مسلم في صحيحه، وهذا عام يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
وما جاء من الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه وما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم محمول أنه رآه بقلبه، وما جاء من النصوص والآثار على أنه لم يره محمول على أنه لم يره بعيني رأسه، وبهذا يجمع بين الأخبار كما قال أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
والملائكة كذلك محجوبون عن رؤية الله، لا يرونه، فإذا سمعوا كلامه صعقوا وخروا لله سجداً ويكون أولهم وعلى رأسهم جبريل والملائكة وغيرهم.
روى الخلال في السنة آثاراً من أن الله احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وبرد وغير ذلك من الأشياء التي جاءت في بعض الآثار.
إسناد آخر لحديث: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام...)
وهذا جاء في الحديث السابق، وفي سنده المسعودي وقد اختلط لكن وكيع ممن روى عنه قبل الاختلاط فلا محذور في ذلك، وهو في معنى الحديث السابق.
والآية: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8] ، النار هذه هي التي رآها موسى عليه الصلاة والسلام في الدنيا عند جبل الطور، وهو قد سار بأهله في ليلة باردة مظلمة، وقد ظل الطريق لا يدري أين هي ولم يجد أحداً يهديه إلى الطريق، فرأى ناراً حول جبل الطور، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً، قال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر يهدينا إلى الطريق، أو لعلي أقتبس منها جذوة نستدفئ فهم كانوا في الشتاء، وفي آية النمل: فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8] ناداه الله: أن بورك من في النار؛ لأن هذا الوادي مقدس مبارك، فهذه النار هي غير النار التي فيها حجابها النور، فلا يظهر وجه قراءة أبي عبيدة لهذه الآية أي مناسبة.
والشاهد: أن هذا فيه إطلاق الصفات وفيه الرد على الجهمية؛ لأن مما أنكرت الجهمية من الصفات أنه يخفض ويرفع، فهو يخفض ويرفع كما يليق بجلاله وعظمته، وفيه: أن الله تعالى احتجب من خلقه بالنار أو النور، وفيه أنه نزه نفسه عن النوم، وأنه لا ينبغي له أن ينام، فالذي ينام هو المخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى نوم ليريح أعضاءه، أما الخالق سبحانه فلا يلحقه نقص ولا عجز، ولا تعب ولا نوم ولا موت، فهو سبحانه وتعالى الحي القيوم، القائم بنفسه المقيم لغيره.
أما القول: بأن كل صفة تنطبق على المخلوق لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالخالق أولى بها، فيختلف الأمر فبعضها صفة نقص وإن كانت كمالاً في الإنسان وبعضها تكون صفة كمال، فالولد صفة كمال في المخلوق، ولا تليق بالرب سبحانه وتعالى، فالذي يولد له أكمل من الذي لا يولد له، وكذلك النوم، ولكنها نقص في حق الله تعالى.
وهناك صفة كمال في المخلوق الخالق أولى بها، فإذا ثبت للمخلوق أنه يوصف بالعلم، ويوصف بالقدرة، فالخالق أولى بأن يوصف بهذه الصفات مع الكمال دون النقص.
قوله: (لو كشفها) وفي الحديث الآخر (لو كشفه) -يعني: النار- إذا كان في اللفظ حجابه النار، والنور والنار بمعنى واحد.
شرح حديث: (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء ...)
وهذا الحديث أصله في الصحيحين، والحديث فيه محمد بن إسحاق لكنه ثابت في الصحيحين، وفيه إثبات يدين لله، وأن لله تعالى يدين، وفيه أيضاً إثبات اليمين لله.
وقد جاء في صحيح مسلم التسمية الأخرى بأنها شمال، لكن بعضهم طعن فيها بأنه تفرد بها بعض الرواة، والصواب أنها ثابتة، وإن إثبات اليمين لا ينقض إثبات الشمال، وفي الحديث الآخر: (وكلتا يديه يمين) ، يعني: كلتا يمين في الشرف والفضل والبركة وعدم النقص، بخلاف المخلوق، فإن اليمين أقوى من الشمال، أما الخالق فكلتا يديه يمين في القوة وعدم النقص والكمال والفضل والشرف والبركة.
قوله: يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، يعني: لا تنقصها نفقة، سحاء يعني: كثيرة الصب الليل والنهار، فهو سبحانه وتعالى يمينه ملأى سحاء، تصب وتنفق آناء الليل والنهار.
قوله: (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟) استفهام تقريري، وخطاب للناس يعني: ألا ترون ما أنفق سبحانه وتعالى منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم ينقص ما في يديه منذ خلق السماوات والأرض، وهو سبحانه ينفق ولم ينقص ما في يمينه سبحانه وتعالى.
وفيه الرد على الأشاعرة والمعتزلة والجهمية الذين ينكرون صفة اليدين لله، ويفسرونها بالقدرة أو النعمة، وهذا من أبطل الباطل، والصواب: أن لله يدين حقيقيتين، كما أثبت الله ذلك في القرآن الكريم كقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة:64]، وقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75].
شرح حديث: (يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده ...)
يعني: من شدة تحركه وتميله، وفيه إثبات اسم الجبار لله عز وجل، وهذا من الأسماء الخاصة به سبحانه وتعالى، وهو من الأسماء الغير مشتركة، ولا يجوز لأحد أن يسمي نفسه الجبار، لكن قد يوصف بعض المخلوقين بأنه جبار، أما أن يسمى شخص الجبار فهذا لا ينبغي؛ لأن هذا من الأسماء الخاصة بالله تعالى، بخلاف العزيز والسميع والبصير؛ فإنه يوصف بها المخلوق؛ لأن أسم
استمع المزيد من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي - عنوان الحلقة | اسٌتمع |
---|---|
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [12] | 2220 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [16] | 2216 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [9] | 2140 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [10] | 2070 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [2] | 2027 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [4] | 1898 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [18] | 1794 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [6] | 1775 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [1] | 1749 استماع |
شرح سنن ابن ماجه المقدمة [8] | 1698 استماع |