فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 91

وما تقدم يبين لكَ طرفًا من أسباب التفاوت البين في الحكم على الأحاديث بين المعاصرين وأئمة النقد المتقدمين [1] .

(1) و أسبابُ هذا التفاوت - في الغالب - ترجع إلى أمور ثلاثة-مرتبة حسب الأهمية-:

1 -... القصور في"علم علل الحديث"وعدم التفطن لدقائقه، ولذا تجد بعض الباحثين - وفقهم الله - ينقل شواهد للحديث ومتابعات من كتب العلل مما استنكره الأئمة على الرواة، ولم يقف وقفةَ نَظَرٍ لماذا ذُكِرَ هذا الحديث أو الطريق في كتب العلل؟، ولربما كان هذا الحديث المذكور في كتب العلل يُعل حديثه كأن يكون موقوفًا وحديثه مرفوعًا ونحو ذلك.

وعلاجه في أمرين:

أ ... كثرة القراءة في كتب العلل النظرية والتطبيقية، فإنْ غلبت عن قراءتها فلا تغلب على كتابين: الأوَّل: التمييز للإمام مسلم بن الحجاج، والثاني: كتاب"شرح علل الترمذي"لابن رجب، وأرى أنَّ الكتابين -من أولهما إلى آخرهما- من أحسن ما يقرر على طلاب الحديث لفهم العلل ومعرفة طريقة النقاد فيها.

ب ... تتبع أقوال كبار نقاد الحديث على الحديث المراد بحثه، والاستفادة من كل كلمة يقولونها عن الحديث- لأنَّ تعاليل الأئمة للأخبار مبنيةٌ في الغالب على الاختصار، والإجمال، والإشارة فيقولون مثلًا"الصواب رواية فلان"، أو"وَهِمَ فلان"أو"حديث فلان يشبه حديث فلان"أو"دَخَلَ حديثٌ في حديث"ولا يذكرون الأدلة والأسباب التي دعتهم إلى ذلك القول لأنّ كلامهم في الغالب موجه إلى أناسٍ يفهمون الصناعة الحديثية والعلل والإشارة فيدركون المراد بمجرد إشارة الإمام للعلة وذكرها- ومِنْ ثمّ دراسة أسباب هذا الحكم من الناقد، ومدى موافقة بقية النقاد له، ومع كثرة الممارسة لكلام النقاد تكون عند الباحث ملكة تؤدي -بتوفيق من الله وإعانة- إلى موافقتهم قبل أنْ يطلعَ على كلامهم المعين في الحديث المراد بحثه.

2 -... عدم تحقيق الكلام على الرجال الذين تدور عليهم علة الحديث والاكتفاء بالمختصرات كتقريب التهذيب خصوصًا، وتقدم التنبيه على هذا وكيفية علاجه، وأضيف هنا أهمية أن يقرأ طالب الحديث كتاب"الميزان"للذهبيّ كاملًا من أوله إلى آخره، متلمسًا المناهج، مقيدًا الفوائد.

3 -... التوسع في قبول الشواهد والمتابعات، وهذا الأمر ناتجٌ عن الخطأ في الأمرين السابقين فعدم التفطن لعلل الأخبار وعدم تحقيق مرتبة الراوي بدقة يترتب عليه قبول"الشواهد والمتابعات"، أو عدم قبولها، وفرقٌ بين أن نحكم على راوٍ ما بأنه ضعيف لسوء الحفظ، وبين الحكم عليه بالترك فالأول يقبل"الشواهد والمتابعات"-إنْ سلم من العلل الأخرى كالتفرد، والشذوذ- والثاني لا يقبل، وقد وُفق الشيخ طارق عوض الله فكتب في هذا الأمر كتابة رائعة في كتابه"الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات"عالج فيها جانبًا من القصور في هذا المسألة.

ولقد كان المعلميّ دقيقًا عندما قال: (( وتحسين المتأخرين فيه نظر ) )الأنوار الكاشفة (ص 30) .

وكذلك في قوله: (( عندما أقرن نظري بنظر المتأخرين: أجدني أرى كثيرًا منهم متساهلين ) )الفوائد المجموعة (ص 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت