فى العالم على اختلاف شعاراتها للتعبير عن السخط على الظلم الاجتماعي الناتج عن جشع الأنظمة الوضعية، الأمر الذى يجعل من الأنظمة الاقتصادية شأنًا عامًا وليس حكرًا على الاقتصادين وحدهم، ويقتضي إعادة النظر في الأسس التى بنيت عليها الأنظمة القائمة.
مع تفاقم معاناة الشعوب، أصبح من الضروري تكثيف الجهود لتقديم نظام إقتصادي بديل يعكس العدالة الاقتصادية ويحقق مصالح جميع أفراد المجتمعات. إذا كان الفكر العلماني القائم على فصل الدنيا عن الدين قد استقطب الكثيرين بسبب عدم وضوح مفاهيم المناهج الخاصة بتنظيم الشؤون الحياتية المعاصرة في الشرائع السماوية وبسبب تصرفات المتشددين بغير حق، فإن الإحجام عن التعرف على أحكام الحياة في الشرائع السماوية يمثل قصورًا في حق المعرفة لدى المفكرين، ويضفى حكمًا على الأديان دون معرفة مسبقة لما تقدمه من أجل سعادة البشرية في الحياة الدنيا. وليس من طريق أفضل من اللجوء إلى خالق البشر لنهتدى إلى الطريق القويم في معالجة شؤون حياتنا.
تناولت الشرائع السماوية جميعها مسائل إقتصادية، على أن الإسلام تميز بشمولية عرض قواعد ثابتة تمهد الطريق لتأسيس نظام إقتصادي عادل متكامل يصلح لجميع البشر في كل زمان وفي كل مكان؛
· يستهل القرآن الكريم بسورة الفاتحة حيث يطلب المسلم الهداية من الخالق"إهدنا الصراط المستقيم"، ليتلقى في مستهل السورة التالية (البقرة) الجواب بأن القرآن الكريم هو كتاب الهداية"ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين".
· أنزل القرآن متوافقًا مع المسيحية"وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل يما أنزل الله فيه (47) " (المائدة 5) .
· أنزل القرآن متوافقًا أيضًا مع اليهودية"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون (44) " (المائدة 5) .
· القرآن الكريم رسالة هداية لكل البشر بصرف النظر عن معتقداتهم"إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضِل عليها (41) " (الزمر 39) .
عوضًا عن التوجه لمعرفة أحكام القرآن في النظام الاقتصادي لإستغلال وتبادل وتوزيع الموارد، فقد تركزت البحوث في الاقتصاد الإسلامي على استنباط نظام إقتصادي من خلال دراسة فقه المعاملات الذى يختص بوضع ضوابط لترجمة توافق كل معاملة مع الأحكام الشرعية ذات العلاقة أو من خلال دراسة التراث الإسلامي وتاريخ الحضارة الإسلامية لمعرفة المعالجات الاقتصادية للسلف الصالح. ولم يتنبه الباحثون إلى أن بحوث الاقتصاد تنتج نظامًا وبحوث المعاملات تنتج عقودًا، ومن البديهي أن يكون العقد ضمن النظام، فمن الضروري لتستقيم الأمور وضع النظام بعد تحديد معالمه قبل تقرير أحكام المعاملات. وقد ترتب على الخلط بين الاقتصاد والمعاملات في بحوث الاقتصاد أمرين:
1.عدم تقديم نظام إقتصادي متكامل واضح المعالم يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ويكون بديلًا عمليًا عن الأنظمة الوضعية الاقتصادية القائمة.