الصفحة 46 من 220

فرض لوك تحضير فقراء إنكلترا وطبقائها المعدمة، ولم يراود ميل أدنى شك في أن الأقليات المختلفة والمتخلفة في أقاليم الباسك و بريتانيا وكوبلك، أو في اسكوتلندا وويلز (وأضاف إليها أدم سميث فيما بعد ايرلندا، التي مات فيها مليون إنسان جراء سياساته في أواخر القرن التاسع عشر) نستفيد إلى أفصي الحدود من عملية دمجها داخل الأطر الثقافية وطرق الحياة القومية الفرنسية والإنكليزية، كي تحصل على النتاج الفني والفلسفي وبقية المنجزات التي حققتها هاتان الحضارتان، بدلا من الانزواء بين الصخور الجرداء في حياة بدائية ونصف بربرية خارج التاريخ، ومعزولة عن الحراك الفكري العالي". إن الإمبراطوريات العظيمة، يقول ميل، حققت أهدافا ليبرالية سامية وعبر - قومية، أولها نقل الأفكار وطرق الحياة الليبرالية إلى مناطق العالم المتخلفة؛ وثانيها القضاء على مكامن الخطر الذي يتهدد المجتمعات الليبرالية؛ وثالثها وضع عتبات أخلاقية وفكرية أسمي يسعى البشر إلى بلوغها، الأمر الذي يعود بالنفع على الوطن الليبرالي وعلى الجنس البشري فاطية لا تختلف هذه اللفة كثيرا عن اللغة الليبرالية المعاصرة بشقيها الأسيوي والليبرناري في أميركا وأوربا، لأنها قائمة أساسا على المقولات الفكرية ذاتها مساواة أخلاقية بين البشر وتفرقة سياسية وثقافية بينهم؛ احترام للأفراد واحنفار لطرق حيائهم: رفض للعنصرية وتقبل للهيمنة الثقافية: اعتراف بالشخصية المختلفة وإنكار لحقها الجماعي في تقرير المصير. وتتماثل هذه المقولات بدورها لأنها ترتكز على مفهوم فلسفي واحد: البشر متساوون لأنهم يشتركون في طبيعة إنسانية واحدة، وحقيقة كونهم بشرا تقتضي حكما إخضاع طرائق حيائهم إلى نموذج عقلاني واحد للحياة الكريمة، وإلا فللأخرين الحق الشرعي في السيطرة عليهم وهديهم بالقوة سواء السبيل، من الجهة المقابلة، حاول العديد من المفكرين الليبراليين، بالمعنى العام للعبارة تأسيس الحياة الكريمة على رؤية تاريخانية تعددية ومناقضة لأحادية الليبرالية الكلاسيكية (مثل فيكو ومونتيسكيو وهيردر ومونتين وغيرهم) فوقعوا في خطة الثقافوية المقابل، والذي بلفي دور الطبيعة البشرية. ولعل المدخل الفكري إلى القفزة التاريخية التي لا تزال الليبرالية تنتظر تحقيقها يكمن في إقامة علاقة جدلية وفاعلة بين الطبيعة والشفانة اللاطلاع على محاولات بعض الليبراليين المعاصرين - مثل رولز و راز وکيمليکا - تجاوز هذه الإشكالية، انظر ترجمتا کتاب تاريخ إعادة النظر في التعددية الثقافية (فيد الإصدار، وزارة الثقافة، دمشق) -"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت