قد يبدو للوهلة الأولى فوكوياما لغير المختصين، أو دليل الطالب إلى الفكر الفوكويامي، ربما لأن حجم الكتيب يحتم عرض ومعالجة معظم المقولات الفوكويامية الأساس بطريقة مبسترة، فيوفر
على القارئ العام عبء الخوض في أدبيات نقاش حاد وطويل، بدأ عمليا بسقوط جدار برلين، كما يوفر عليه لجة التفاصيل المعقدة، خصوصا الفلسفية الصرف، التي غامر فوکوياما نفسه بولوجها في كتابه الأول، نهاية التاريخ، محاولا قلب هيغل (ثانية!) رأسا على عقب، بربطه، عبر كوجييف، بإنسان نيتشه الأخير.
كذلك يختلف عن كتاب فوكوياما ما قبل الأخير، مستقبلنا ما بعد الإنساني، فيجنب فارعنا العمومي إرهاصات ثورة التكنولوجيا الحيوية المعاصرة، وشيئا من شطحات الخيال العلمي في هذا العصر المابعدوي (ما بعد الحداثة، ما بعد النظرية، ما بعد الدولة القومية، ما بعد ثورة التكنولوجيا، ما بعد ثورة المعلومات، ما بعد التاريخ، ما بعد الإنسانية، الخ .. ) الرديء. ولعل ذلك الطموح الفوكويامي الموسوعي، سواء اتخذ شكل الرجوع إلى الماضي الفلسفي الإشكالي، أم الانطلاق في غياهب المستقبل العلمي المجهول، وكلاهما خارج نطاق اختصاصه، وربما قدراته، كان عزز الإحساس العام - والمبرر - أواسط التسعينيات بأن فوکوياما في الحقيقة مفكر صغير يلعب بقضايا كبيرة.