أقرب إلى كتابي فوكوياما الآخرين، الثقة والشرخ الكبير، وإلى الكثير من الدراسات والأبحاث الوضعية الرصينة، وفي مقدمتها أولوية الثقافة وابناء - الأمة"، التي تعيد فوکوياما إلى جادة الصواب وإلى مجال تخصصه الذي يتقن - علم الاجتماع. وكعالم اجتماع سياسي، قبل كل شيء آخر، يبقى صوت فوكوياما مسموعا ومشاكسا في عالمنا المعاصر."
مشاكس لأن فوكوياما، ككل مثقف حقيقي، بغرد خارج سربه , في جوهره خروج على الإجماع الاقتصادي والسياسي السائد، منذ"الثانشرية سيئة الذكر، بأن تحجيم الدولة، وتقليص دورها الاقتصادي، وإخضاعها لآليات السوق، واستبدال مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية بها، يشكل العصا السحرية القادرة على حل كل مشكلات العالم المستعصية. في العالم النامي، يعمل دعاة الخصخصة وسماسرة السوق المفتوح عمدا أو من حيث قومي لا"
درون، لا سامحهم الله - على تقطيع أوصال الدولة وتهشيم مؤسساتها، بحيث تغدو مشلولة تماما في مواجهة معضلاتها القديمة الجديدة - الفقر والمرض والتنمية، ومؤخرا الإرهاب. وفي العالم الأكثر تقدما بقليل، لم يكن في جعبة نبي الليبرتارية الجديد، ملتون فريدمان، إلا كلمة واحدة ببشر بها المؤمنين من أتباعه الخارجين حديثا من الفلك السوفياتي: خصخص، خصخص، خصخص. لكن فريدمان نفسه أدرك في أواخر أيامه أنه كان على خطأ، فاعترف أن لا سبيل إلى الإصلاح الاقتصادي بغياب دولة المؤسسات وحكم القانون. لذلك فشلت اقتصاديات السوق في تحقيق الأحلام الوردية التي قطعتها لروسيا وبقية دول العالم ما بعد الاشتراكي. لذلك أيضا استطاعت الأنظمة