تجاهل تلك الأزمات، أو اعتبارها مجرد مشاكل محلية في عالم قصي ومتخلف لم يدخل التاريخ بعد. إن من حق وواجب الغرب اليوم، يقول فوکوياما، التدخل ونزع السيادة عن الدول الضعيفة والفاشلة والمضطربة، وتولي حكمها نيابة عن المجتمع الدولي ضمن مفهوم جديد اللسيادة المشتركة - إما مباشرة عن طريق التدخل العسكري (كما في أفغانستان والعراق) (*) ؛ أو بشكل غير مباشر عبر عمليات بناء - الدولة أو بناء - الأمة، بمساعدة المنظمات الدولية ووكالات الغوث ومجتمع الدول المانعة للمساعدات ومختلف المنظمات غير الحكومية
كل الطرق تقود إلى روما في النهاية، لكن ليبرالية فوكوياما تدفعه إلى تفضيل المدخل الثاني في الأحوال العادية. وهنا يظهر بناء - الدولة / بناء - الأمة بمعناه الحقيقي، بديلا عمليا وفاعلا - والمقبولا"ليبراليا - لاستخدام القوة العسكرية. كذلك يبدو دور المنظمات الدولية ووكالات الغوث ومجتمع الدول المانحة والمنظمات غير الحكومية، برغم كل النوايا الطيبة، أشبه ما يكون بدور بعض المبشرين المسيحيين إبان المرحلة الاستعمارية القديمة. وهكذا، إن كان فاتنا في الدول العربية والإسلامية الانتباه إلى دور تلك المنظمات في جنوب السودان والبوسنة وكوسوفو والصومال، فعلينا اليوم توخي المزيد من الحذر في التعامل"
(?) يقيم فوكوياما تمييزا واضحا بين نمطي الاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان
والعراق في المقدمة المخصصة لهذه الطبعة، لكن تسارع الأحداث في كلا الدولتين يلقي ظلالا من الشك حول النتائج النظرية التي توصل إليها، كذلك تعارض الواقع مع مسلمات فوكوياما النظرية في كتابه الأول، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، إبان حرب الخليج الأولى، فسارع إلى نشر مقاله المعروف"إنس العراق، لقد انتهى التاريخ (صحيفة الغارديان، 22/ 1/ 1991) ."