لأنها أحدثت نقلة نوعية من ثقافة الواجبات إلى ثقافة الحقوق؛ أو لأنها أفرزت قوى مهمشة - كالحركة النسائية وأحزاب الخضر - نجحت في العقود اللاحقة بإحداث بوادر عولمة اجتماعية وأخلاقية مناوئة للعولمة الاقتصادية المتوحشة. الأخطر من كل ذلك، يقول فوكوياما في كتابه الشرخ الكبير (?) إن هذه الحرب شبه - الأهلية في المجتمع العربي"تهدد بتفتيت الهوية الليبرالية ووضع منظومتها الفكرية داخل التاريخ، باعتبارها مجرد تجليات اجتماعية واقتصادية وسياسية الحركة تاريخية تستدعي بالضرورة نقيضها، بدلا من موقعها خارج التاريخ، باعتبارها أكمل"وأنبل صيغة تنظيم اجتماعي واقتصادي و سياسي حلمت بها البشرية، واستطاعت - أو تستطيع مستقبلا - تحقيقها.
في كل من نهاية التاريخ والثقة والشرخ الكبير راهن فوكوياما على صحة الاحتمال الثاني، الذي يطوي عمليا ديالكتيك هيغل على ذاته، ويوقف حركة التاريخ كصراع فكري وأيديولوجي، وللدفاع عن صوابية تصوره النهائي، واجه فوکوياما مناوئيه بشراسة من داخل تخوم الفكر الليبرالي. فعلى عكس كل الهنتنغنونيين ومعظم الليبراليين الجدد، ممن آمنوا بتاريخانية الليبرالية كثقافة آنية محددة ومحدودة بجزء صغير من العالم الغربي، الذي لا يزال يواجه صداما حضاريا حتميا مع باقي الثقافات، كالكونفوشيوسية في الصين والإسلام في قوس الأزمات، دافع فوكوياما عن كونية الليبرالية وعن طموح كل
(?) انظر كتاب فوكوياما الشرح الكبير(: The Great Disruption