وإنا خلقنا لعبادة الله عز وجل والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس، ويقعدها عما خلقت له (1)
وهكذا نجد أثر العقيدة الإسلامية في نفوس جند الإسلام، وكيف صنعت منهم رجالا لا يهابون أحدا إلا الله مهما بلغت قوته المادية ووجاهته الدنيوية، لا يؤثر فيهم التهديد والوعيد؛ لأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وهبوا أنفسهم لهذه العقيدة فأعرضوا عن معوقات خدماتها من زخارف الدنيا الفانية، وحملوا أرواحهم مقبلين فيها غير مدبرين في أوقات الشدة والبأس، وتعاونوا مع إخوانهم في سبيل نصرة الحق، فلم يذلوا ولم يستسلموا، ولم يخضعوا المخلوق، حتى نالوا مجدا لم يبلغوه من قبل، فقادوا العالم، وخطب ودهم وژوب جانبهم، فخافهم جبابرة الخلق، وخشي لقاءهم الأكاسرة، وساد الأمن والسلام بلادهم الفسيحة.
فقبل معركة القادسية هاب أهل فارس وأشفقوا من قتال المسلمين وجعل رستم وغيره من قادتهم يتهربون من اللقاء والمواجهة، بل إن يزدجرد كان خائقا وجلا، فاتقي اللقاء بالضغط على قائده رستم الذي لم يكن بأحسن حالا منه، فطلب إعفاءه أكثر من مرة، وكان يتحجج لذلك بحجج واهية)،2 أملاها عليه الرعب والخوف الذي سيطر على حواسه وشل جوارحه وتفكيره، ودفعه إلى أن يقول: « ... لا أرى هؤلاء القوم
(1) ابن کثير، البداية والنهاية، ج 12 ص 329
(2) انظر تاريخ الطبري، ج 3 ص 982، 503، وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 2
ص 31 - 315،