فرجعوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتموهم؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء. وبعث إليهم مرة أخرى طالبا مقابلة زعيمهم فقط، فجاء هبيرة ابن مشمرج 1، فلما هدده بالقتل، قال له: لسنا نكره القتل ولا نخافه لأن لنا آجالا إذا حضرت فأكرمها القتل، وإن أميرنا حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، ويعطى الجزية).2 فلم يقابل تهديده بعدم المبالاة فحسب، بل هدده بسلب ملکه
هكذا أذل المسلمون الكفر وأهله، وملأوا قلوبهم رعبا وخوا حتى أصبح الجندي المسلم لا يتجه إلى ناحية من النواحي إلا أرعب أهلها وخافوا، وما ذلك إلا لصدق الإيمان وقوة العقيدة التي كانوا يحرصون عليها أكثر من حرصهم على السلاح المادي، کتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد قادته كتابا يأمره فيه: البتقوى الله على كل حال نزل به من أمر الله فإن تقوى الله أفضل العدة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوة ... . 3 وتفاعل جند الإسلام مع العقيدة فتحرروا من سلطان الدنيا وما عليها، فلم پر کنوا إليها ولم يطمئنوا لما فيها.
وجد صلاح الدين أحد رجاله قد بنى له دارا كبيرة في أحد القلاع فغضب عليه وقال له: «إنا لم تخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد
(1) الكلابي، أحد الأشراف والشجعان الفصحاء، كان مع فتيية حين غزا الصين، توفي
بفارس سنة ست وتسعين, انظر الزركلي، الأعلام، ج 8 ص 79.
(2) انظر الطبري، المصدر السابق، ص 501 - 502، وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 4
ص 135 - 139.
(3) ابن عبد الحكم، سيرة عمر بن عبد العزيز، ص 71.