ويواصلون سيرهم إلى يزدجرد في هيئة يعلوها الوقار والعزة، حتى إن الناس خرجوا ينظرون إليهم، فهاهم ما رأوا من اعتزاز وثقة بالنفس فكان الرجل من المسلمين يعدل عشرة، فرعب منهم أهل فارس ووجلوا، ودخلوا على يزدجرد في مجلسه، فكلموه بين وزرائه وحجابه وأنصاره، فلم يداهنوه في كلامهم، بل هددوه وتوعدوه 1، فكان مما قال له المغيرة: « ... اختر إن شئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو سلم فشنجي نفسك. فقال: أتستقبلني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به .. 2). ولما سأل عن معني صاغر، أجابه المغيرة بقوله: «الصاغر أن تؤدي الجزية وأنت قائم، والسوط على رأسك! (3) .
ولقد عبر يزدجرد عا رأى منهم بقوله لرستم: «ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي، وما أنتم بأعقل منهم، ولا أحسن جوابا منهم ... لقد وعد القوم أمرا ليدركه أو ليموت عليه ... ؟).4
فكانت العقيدة الإسلامية هي التي أبدلتهم من حالهم السابقة قبل الإسلام، حال الذل والهوان إلى هذه الحالة التي دفعت بهم إلى تهديد يزدجرد في سلطانه بين جنده وأنصاره، حتى إن أحدهم ليمتهن ويحتقر ما لديهم من زخارف الدنيا، ويشعرهم بأن ذلك لا يعني له شيئا، فلا
(1) انظر الطبري، المصدر السابق، ص 497 - 500
(2) المصدر السابق، ص 50، وانظر ابن کثير، البداية والنهاية، ج 7 ص 42.
(3) ابن اعثم، الفتوح، ج 1 ص 200.
(4) الطبري، المصدر السابق، ص 501.