قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ... » (1) ، ثم اقتحم بفرسه، وعبر النهر، وتبعه المسلمون 2، فإيان هذا الجندي بالله، وعقيدته الراسخة، دفعه إلى ذلك العمل النبيل.
ولما قال رجل من أهل فارس للمغيرة بن شعبة (3) : إن الملك كان منجها قد حسب لك ونظر في أمرك، غذا ستفقا عينك، قال له المغيرة: «بشرتني بخير وأجر، ولولا أن أجاهد بعد اليوم أشباهكم من المشركين، لتمنيت أن الأخرى ذهبت أيضاء).4 فهو يتمني بقاء عينه لا ليتمتع بها في حياته ولكن ليجاهد بها في سبيل الله.
وفي المقابلات التي كانت تتم بين رسل المسلمين والأعداء تجلت قوة العقيدة الإسلامية فيهم، فكانت تصرفاتهم جميعا موافقة لمبادئ العقيدة إجابتهم واحدة، وسلوكهم واحد، وتفكيرهم ورأيهم متفق، ومعاملتهم للأعداء واحدة، لم يضعف أحد منهم أمام الأعداء، ولم يذل أو يهن، فهذا المغيرة بن شعبة وجماعة من المسلمين يسيرون إلى يزدجرد، ويمرون على رستم أحد عظماء الفرس فلا يلتفتون إليه، ولا يلقون له بالا أو أهمية
(1) سورة آل عمران، الآية 140.
(2) انظر ابن کثير، البداية والنهاية، ج 7 ص 614.
(3) ابن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن کعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن
قيس الثقفي، أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية. وشهد بيعة الرضوان. واليمامة وفتوح العراق والشام، كان من دهاة العرب، ولاه عمر الكوفة وأقره عثمان، ثم عزله وولاه إياها معاوية بعد ذلك، فاستمر على إمارتها حتى مات
سنة خمسين للهجرة، انظر ابن حجر، الإصابة، ج 3 ص 432
(4) انظر الطبري، ج 3، ص 524، وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 2 ص 322