وفي آخر أيام أبي بكر وبداية خلافة عمر رضي الله عنهما ازدادت رقعة الإسلام، وبعدت المسافة بين المدينة المنورة مقر القيادة الإسلامية وأطراف الدولة الإسلامية، عند ذلك رأي عمر أنه لابد من تأمين وحراسة حدود البلاد الإسلامية، وإقامة الحصون وتسكين المرابطين بها، فعمل على إيجاد مراكز عسكرية بالقرب من تخوم الأعداء، لتكون قواعد انطلاق للفتوح الإسلامية ومراكز إعداد في حال العدوان، واتخذ رضي الله عنه قرارا عسکريا بوضع تلك المراكز بين مقر القيادة والحدود بحيث تؤمن متطلبات الجند المرابطين، وفيها يستوطن العسكر ويلتقون، ولتكون ردءا لمن يقاتل، وسميت تلك المراكز بالأمصار، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى ذلك بقوله: «سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة، جند بالشام وجند باليمن، وجند بالعراق» (1) .
قال عمر رضي الله عنه لعتبة بن غزوان (2) : انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب، وأدنى أرض العجم، فأقيمواء (3) . قال الطبري في سياقه للقصة: «فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمربد 4 وجدوا هذا الكذان 5)، قالوا: ما هذه البصرة؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجسر
(1) حديث صحيح، الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادئه، ج 1 ص 182، رقم
الحديث (399)
(2) ابن جابر بن وهب المازني حليف بني عبد شمس، أو بني عيد نوفل، من السابقين
إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا وما بعدها، ولا عمر في فتوح العراق، فاختط البصرة وعاش سبعا وخمسين سنة، انظر ابن حجر، الإصابة، ج 2
(3) تاريخ الطبري، ج 3، ص 591، وانظر ابن الأثير، الکامل، ج 2 ص 338
(4) اسم لموضع. انظر الحموي، معجم البلدان، ج 1 ص 97.
(5) حجارة كانها المدر، فيها رخاوة، وأحدها كنانة، انظر ابن منظور، لسان العرب،
ج 13 ص 357،