الفتاة عن بلوغ مراده أو بعض مراده، ولكن لا يستمر ذلك لأن العاطفة تزيد والغريزة تتضاعف والأعضاء تنمو، فلابد للمربي أن يربي المراهق على المصارحة والمكاشفة، وهي أساس لإكساب الثقة وبث الطمأنينة، ثم يوجهه للمصابرة والمجاهدة [1] . وهذا لا يتعارض مع الإبقاء على عدم الاسترسال في سماع تفاصيل المعصية وجزئياتها، بل يكتفى بالمهم كما هو الحال في حديث مريد الزنا.
12.لا تجعل من حديثك استعداء واستنقاص وتهكم بمن وقع وزل. وكن كما (قال بكر بن عبدالله: إذا رأيت من هو أكبر منك فقل هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أُخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنبٌ أحدثته) [2] . وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا؛ لم يصبه البلاء" [3] . قال النووي: (يقول بعض أهل العلم أنه ينبغي أن يقول هنا الذكر سرًا، بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه المبتلى؛ لئلا يتألم قلبه بذلك، إلا أن تكون بليته معصية فلا بأس أن يسمعه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدة) [4] . وهنا يأتي معنى مهم وهو أن لا يأمن المؤمن على نفسه ويلات الشهوات وخطوات الشيطان، وليكن دائم الحذر والترصد لهفوات النفس وإملاءات الشيطان وكلاليب الشهوات مهما كان إيمانه ومكانته، (ويروى أنه كان بمصر رجل يلزم المسجد للأذان والصلاة فيه، وعليه بهاء الطاعة ونور العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لنصراني، فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار، فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟ وما تريد؟ قال: أريدك. قالت: لماذا؟ قال: قد سلبت لبي وأخذتي بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك إلى ريبة أبدًا، قال: أتزوجك، قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك، قال: أتنصر، قالت: إن فعلت افعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم، رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات. فلم يظفر بها، وفاته دينه) [5] . وإن من المهالك أن يأمن الفرد على نفسه، ويزيد على ذلك أن يزدري من وقع ويظهر العيب والتهكم بهم، ولا يدرك عظم فعله وشناعة مذهبه، فقد قال الصادق المصدوق في الحديث الصحيح:"لا تظهرن الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك" [6] ، وروي عن النخعي أنه قال: (إني أرى الشيء مما يُعاب فما يمنعني أن أعيبه إلا مخافة أن أُبتلى به) [7] ، وهذا أيضًا في حق المتربي الناسك أن ينبهه المربي لمثل هذا المعنى وأن يغرس فيه عدم الاغترار بصلاحه وطاعته، وأن لا يقع في عرض إخوانه والترفع عمن لوحظ عليه شيء من
(1) "المراهقون"لعبد العزيز النغيمشي, ص 55 بتصرف.
(2) "صفة الصفوة" (3/ 248) .
(3) حسنه الألباني في الجامع الصغير 1/ 157 (555) .
(4) "الأذكار", ص 258.
(5) "الداء والدواء", ص 118.
(6) رواه الترمذي.
(7) "صفة الصفوة" (3/ 89) .