قال الله تعالى:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"الزمر: 53، وقال تعالى:"وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى"طه: 82. فحديثي هنا إلى من اعتراه الهوى وخاضت قدماه وحل الفاحشة بعد أن غره سرابها، فالبعض في مثل هذه الحالات يقنط وييأس، والأمر خلاف ذلك فالأصل في البشرية هو الخطأ؛ وخير الخطائين التوابون من لوازم التوبة الأوبة والاستغفار، ولا يسوّغ كلامي هذي الاستمراء أو الاستخفاف بالتجربة لمن عافاه الله، ولكنه حقيقة لابد من توقيعها، وهذه بعض الوصايا لمن وقع وأراد الدواء والعلاج، فأبدأ بأهمها:
أ. الدعاء: الله ما أعظم الدعاء وأنفعه وأبلغ وقعه وتأثيره. يصف المريض شكواه للطبيب ويحاول أن يكون أكثر وضوحًا وصراحة وجرأة في بسط ما يعاني منه، ثم تجده مرعيًا سمع قلبه لتعليمات الطبيب مقتنعًا بكل ما يقول لأنه لاشك صاحب الحاجة، ولله المثل الأعلى مع عبده، فالعبد يشكو لربه ويبسط شكواه عن طريق دعائه وابتهاله ويحاول التقرب والتذلل لخالقه ليجد الباب مفتوحًا فيلج على خالقه ومولاه، وهو في ذات الوقت يرعوي لنصوص الوحيين تدبرًا وتطبيقًا حرصًا على العلاج والوقاية من سموم الفواحش والموبقات.
إن الانكسار بين يدي الجبار العلام ومن ثم سؤاله وطلبه لهو أسمى معاني العبودية وأوثقها نفعًا"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"غافر: 60، ولك أن تجعل الدعاء في الوقاء والدواء، فقد استخدمه الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرًا لاسيما مع هذه الحالات فقد دعا للشاب الذي استأذنه في الزنا:"اللهم طهر قلبه وحصن فرجه"، وعن عبد الله ين مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:"اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" [1] . وهذا يوسف عليه السلام يفر إلى الله هاجرًا الدنيا وفتنتها مستلهمًا ذلك بدعائه المشهور:"قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ"يوسف: 33. وقال تعالى في معرض قصة يوسف:"وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ"يوسف: 24، أيها العبد مهما بذلت من الأسباب الشرعية والمادية فتوفيقك وحصانتك من ربك، فاطلبها منه وحده، والجأ إليه دائمًا لتحظى بها حين تحتاجها.
ب. مجاهدة النفس على دفع الخواطر السيئة وقطع الطمع في الفاحشة، ومجانبة مواطن إثارة الشهوة وهجرها البتة، ومحاولة القرب من البيئات المصلحة ومجالس الذكر، والصعود بالهمة مع أهل القمة بمجالستهم وبالقراءة في سيرهم وآثارهم وبطولاتهم وعزائمهم. ومما يبقيه على هذه المجاهدة ويدعّمها لديه تذكر العاقبة والمصير لمن جاهد هواه وانتصر على ملذاته، قال الحق تبارك وتعالى:"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى"النازعات: 40، وقال تعالى:
(1) رواه مسلم (2721) .