"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"العنكبوت: 69. قال صلى الله عليه وسلم:"من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أضمن له الجنة" [1] . وفي الجانب الآخر يتذكر عاقبة أهل الفحش والخنا، وكيف هي ميتاتهم وخاتمتهم-عافانا الله وإياكم- ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين ما يلي: (وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم ـ قبحه الله ـ ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله:"رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ*ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ"الحجر 2 - 3، وقد صار لي فيهم مال وولد) [2] . وآخر كان واقفًا إزاء داره، فمرت به جارية لها منظر فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب، فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما علمت بالأمر أظهرت له البشرى والفرح وقالت: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ورجع قد خرجت وذهبت، فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي في الطريق وهو يقول:
يا رب قائلة يومًا وقد تعبت كيف الطريق إلى حمام منجاب
فبينما هو يومًا يقول ذلك، أجابته جارية من طاق:
هلا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها حرزًا على الدار أو قفلًا على الباب
فازداد هيمانه بها، حتى حضرته الوفاة، فكان آخر كلامه من الدنيا هذا البيت ولم ينطق بالشهادة [3] .
صاحب الشهوة عبدٌ فإذا غلب الشهوةَ أضحى ملِكًا
وصدق سيد حين قال: (أشد القلوب استعصاءً على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت! .. فأما القلوب التي نوديت من قبل، فالنداء الثاني لا تكون له جدته، ولا تكون له هزته، ولا يقع فيها الإحساس وجديته، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف، وإلى الصبر الطويل [4] . وأورد ابن القيم [5] بابًا فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة
(1) رواه البخاري (6474) , ورواه الترمذي (2408) .
(2) "البداية والنهاية" (11/ 64) .
(3) "العاقبة", ص 171.
(4) "ظلال القرآن"2 (/868) .
(5) "روضة المحبين", ص 332.