نفسه، وسهل نفرانها. وتأمل معي في قصة يوسف-عليه السلام-:"كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"، أي كفيناه الفاحشة لأنه عبد مخلص، ومن لوازم العبودية العمل الصالح، فتدبر!
وكذلك سائر الطاعات والقربات فكن سخيًا على نفسك كريمًا بها، وفي هذا المعنى يروي أبو الهياج الأسدي قوله:"رأيت رجلًا في الطواف يدعو: اللهم قن شح نفسي، لايزيد على ذلك شيئًا، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل. فإذا الرجل عبدالرحمن بن عوف" [1] .
ولابد أن يتعاهد المرء نفسه فيما يقدم ويبذل، وأن لا يترك نفسه هملًا دون إصلاح وتقويم، وهكذا سار الأولون، ومضوا قال ابن المبارك:"إن الصالحين فيما مضى كانت كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره فينبغي لنا أن نكرهها" [2] . وإذا كان ابن المبارك وأهل زمانه يُكرهون أنفسهم عليها، ولم تكن لهم العفوية في العمل الصالح فنحن من باب أولى وأحوج حيث كثرة المشغلات ووجود الصوارف عن الطاعات، والمصيبة العظمى أن صوارفنا - إلا من رحم الله - تمركزت في الشهوات والموبقات وقد طمت وعمّت، وليست مشغلات السابقين وصوارفهم التي تتفاوت من المباح والمكروه إلى الفاضل والمفضول. فلنحذر ونحرص.
وهذا المسار الثاني في سبيل الوقاية من نار الشهوات وهو وسائل الوقاية، وأصل هذا المسار قول الحق تبارك وتعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"النور: 21. وألخص هذا المسار في أمور ثلاثة:
1.الوقاء (الجسدي) أو الحسي، وأحصره في أمرين:
أ. غض البصر؛ وبه تطمئن النفس، وينشرح الفؤاد وتتقد الفطنة، وأصله امتثال كلام الحق تبارك وتعالى:"قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ"النور: 30. عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والجلوس في الطرقات قالوا يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال:"غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" [3] . وفي هذا أمر رباني بالتزام حدود النظر وعدم إطلاقه فيما حرم الله وهو في النساء، ويتعدى ذلك الجارية المشتهاة، فقد َكَرِهَ عَطَاءٌ النَّظَرَ إِلَى الْجَوَارِي الَّتِي يُبَعْنَ بِمَكَّةَ إِلا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَشْتَرِيَ [4] ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي النَّظَرِ إِلَى الَّتِي لَمْ تَحِضْ مِنَ النِّسَاءِ: لا يَصْلُحُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُنَّ مِمَّنْ
(1) "تفسير القرطبي" (18/ 29 ,30) بتصرف.
(2) "صفة الصفوة" (4/ 145) .
(3) رواه البخاري (2333) و مسلم (2121) .
(4) رواه البخاري معلقًا بالجزم 5/ 2299