يسيطر عليهم، مهما وسوس لهم فإن صلتهم بالله تعصمهم أن ينساقوا معه، وينقادوا إليه، وقد يخطئون، لكنهم لا يستسلمون، فيطردون الشيطان عنهم ويثبون إلى ربهم من قريب).
إن التوقير والتعظيم للخالق يورث الخوف من مقام الرب تبارك وتعالى والذي يُحتم على العارف تقييد شهواته. إن الهوى عنيف شديد يغطي العقل ويقيده فيحتاج لقوة هائلة لهدمه مرتكزة على الخوف من الله [1] .
ولذا ينبغي لراجي رحمة ربه والخائف من مقامه أن يظهر ذلك عليه في أمرين:
1.البعد عن المعاصي والذنوب، فهي تجتمع على العبد حتى تهلكه. قال ابن القيم في الفوائد: (إياك والذنوب فهي جراحات، ورب جرح وقع في مقتل) ، وقال أيضًا: (إياك والمعاصي فقد أذهبت عزّ واسجدوا) . وعلى من زلت به القدم أن يعود بلا ملل ولا كلل، عُد وانكسر بين يدي الرحيم الرحمن حتى تحسن الدخول عليه، وتذكر دائمًا سوء العاقبة التي تنتظر أهل الفواحش ومدى حرمانهم من النعيم السرمدي، بل وزوال النعيم الدنيوي، وتأمل هذا الكلام العجيب لابن القيم لعاقبة ذنوب وجراحات الشهوات على وجه الخصوص: (الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة، فإنها: إما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضًا توفيرُه للعبد أنفع من ثلمه، وإما أن تذهب مالًا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وإما أن تطرّق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب همًا وغمًا وجزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علمًا ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفة لا تزول، فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق) [2] .
2.العمل الصالح، تعال معي وتدبر قول الحق تعالى:"فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"مريم: 59، هل تدبرتها؟ لننتقل لآية أخرى:"اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ"العنكبوت: 45، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تنهه: دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مطيعًا، وقد قال تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة"مريم: 59، وإضاعتها: التفريط في واجباتها وإن كان يصليها) [3] .
إذا لعله اتضح المراد، إن العلاقة بين الأعمال الصالحة وعلى رأسها الصلاة وبين إلجام النفس من الفواحش والشهوات علاقة طردية، فمتى زادت المحافظة والمداومة زاد تمكن الفرد من إلجام نفسه، ومتى بدأ التهاون والتراخي صعبت عليه
(1) "منهج التابعين في تربية النفوس"لعبد الحميد البلالي.
(2) "الفوائد".
(3) "مجموع الفتاوى" (22/ 6) .