الصفحة 8 من 38

-تعظيم الله تعالى، ومن رام هذا المعنى لم يجد ما يُشبع مهجته تجاه خالقه ورازقه إلا بالبحث والتعرف على معاني أسماء الله وصفاته والدلالة عليها بمخلوقاته والنظر في آياته، ولعله يتوصل لشيء من ذلك. إن من المعاني التي يتركها هذا المفهوم هو أن تكون الرقابة لله وفقط، ومن فهم معنى اسم الرقيب مثلًا أدرك أن من راقب الله في خواطره عصمه في جوارحه، وكان الله عند هذا العبد أحق من يُخشى ويُخاف. فما أعظم أن تتربى النفوس على توقير الله وتعظيمه واحترامه وتقديسه ومن ثم خشيته والهيبة منه، وأن لا يكون أعظم منه في قلب العبد رقيبًا وحسيبًا، قال ابن القيم في الفوائد:"من وعظم وقار الله في قلبه قبل أن يعصيه وقره الله في قلوب الخلق قبل أن يُذلوه"، هكذا ينبع لنا سر مكانة أولياء الله في نفوس خلقه، إنهم ملوك في المكانة بلا حرس بالمكان، وقد سئل أحدهم بم يستطيع غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك، هكذا كانت آثار تعظيمهم لربهم.

إذًا من لوازم تعظيم الله هو الوقوف عند حرماته، ومعرفة الله حق معرفته، ومعرفته كما قال ابن القيم في الفوائد معرفتان: الأولى معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي، والأخرى معرفة توجب الحياء منه جلّ وعلا والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه.

وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيان

فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال:"يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" [1] .

وفي رواية الإمام أحمد:"احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أَن ما أَخطأَك لم يكن ليصيبك، وما أَصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أَن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسرِ يسرا". احفظه في حواسك وخواطرك وكل تعاملك، والمثل بالمثل فسيكون معك في شدتك وكربتك وكل ضائقة دينية أو دنيوية تحل بك. قال أحمد الأنطاكي: (إذا أردت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ جوارحك) [2] .

وحين تكون النفس متوجهة إلى ربها لا يتعلق فيها شائبة تكون قد تحررت من ربقة الرياء والهوى، قال سيد قطب: (عبودية الناس لغير الله تنشئ الذلة) ، وقال: (الذين يتوجهون إلى الله وحده، ويخلصون قلوبهم لله، لا يملك الشيطان أن

(1) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

(2) "البداية والنهاية" (10/ 318) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت