الصفحة 20 من 38

الوصال الحرام، وقال:(هذا بابٌ إنما يدخل منه رجلا: أحدهما: من تمكن من قلبه الإيمان بالآخرة وما أعدّ الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه، فآثر أدنى الفوتين، واختار أسهل العقوبتين.

والثاني: رجل غلب عقله على هواه فعلم ما في الفاحشة من المفاسد، وما في العدول عنها من المصالح فآثر الأعلى على الأدنى).

وفي ذلك كله فعلى المؤمن أن يكون قويًا في عزيمته وإرادته ولا يستسلم البتة فعلاج الذنب التوبة، روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". ومن معاني القوة [1] :

1 -القوة الإيمانية التي ترسخ في قلب المؤمن لا يزعزها شك، ولا تخدشها شبهة، ولا تعصف بها شهوة، ولو كان المؤمن ضعيف الجسم ولكن إيمانه أقوى من الجبال.

2 -القوة الإرادية النفسية التي لا يبقى بها المؤمن ضعيف الهمة، خائر العزيمة، كسلان فاترًا، وإنما ينبعث انبعاث الواثق من نفسه، ومن الحق الذي يمتثله مواجهًا المثبطات والمغريات والشبهات والشهوات بكل قوة وشجاعة خلافًا لمن يعبد الله على حرف إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.

وكان من دعاء النبي:"اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا وقلبًا سليمًا، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم، إنك أنت علام الغيوب" [2] .

إن بقاء النفس متقلبة في موجات المجاهدة والمدافعة عن طريق المنع والكسب ترقيها وتعودها على الفضائل ومعالي الأمور، فيجاهدها بمنعها من الموبقات، ويجاهدها أيضًا ليعوّدها على الطاعات، وهذه من لوازم التوبة النصوح، وحتى إن أخفق أو زلّ فلا يقنط وييأس بل يعاود الكرة والأوبة فلا علاج له سوى التوبة والأوبة. وليقرّ في نفسه أن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. ثم مهما بلغ منك أيها العبد فأنت داخل في قول الرحمن الرحيم:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". الزمر: 53. وتأمل بربك هذا الحديث العظيم قال صلى الله عليه وسلم:"أذنب عبد ذنبًا. فقال: اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب؛ فقال: أي رب اغفر لي ذنبي؛ فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر"

(1) "حديث المؤمن القوي خير وأحب إلى الله"لفالح الصغير, ص 21.

(2) رواه الترمذي (3407) , والنسائي (1305) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت