الصفحة 24 من 38

9.لتعلم أيها الفاضل أن للذنوب ثمرات ومحاسن تصرف العبد لخير ونفع، فقد روى مسلم في صحيحه:"والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن". قال ابن القيم: فسألت شيخنا: هل يدخل في ذلك قضاء الذنب؟ فقال: نعم بشرطه. قال: فأجمل في لفظه (بشرطه) ما يترتب على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذلك [1] . ومما ذكر رحمه الله من ثمراتها: (جريان الحكم، وإظهار عز الربوبية وذل العبودية وكمال الاحتياج، وظهور آثار أسماء الله الحسنى: كالعفو والغفور والتواب والحليم، لمن جاء تائبًا نادمًا، والمنتقم والعدل وذي البطش الشديد لمن أصر، فهو سبحانه يريد أن يُري عبده تفرده بالكمال ونقص العبد وحاجته إليه .. فلله كم في تقدير الذنب من حكمة وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد من مصلحة ورحمة، ولولا الذنب لهلك ابن آدم من العجب، وذنب يذل به أحب إليه من طاعة يدل بها عليه) [2] ، فإذا علمت ذلك لم يكن لك أن تقوم على الناس بغير المنهج الرباني وخاصة مع المذنبين فاصنع من تلك السقطات حبالًا واثقة للسماء، تستغل فيها دمعات التائبين وأوبة العائدين، ووجل الخائفين، وليظهر ذلك في كلامك وعلى سلوكك وبين ثنايا توجيهك وإرشادك، وأن تحدث لهم فرقًا عن غيرك بهذا المفهوم العظيم الذي لا يبني مفاوز بينهم وبين خالقهم جل وعلا.

10.لا تجعل من نفسك طبيبًا وواصفًا لكل سقطة وزلة، فبقاؤك هكذا يفقد أثر حديثك، وربما يتساهل من حولك في بث وقعاتهم وأخطائهم، ولكن أبق كلامك عامًا، واعتذر من سماع التفاصيل والسقطات، فغرمها عليك وعلى الشاكي. وقد يدخل ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه" [3] . ومن المهم هنا دعوة المدعو إلى ستر نفسه وعدم الحديث عنها حتى ولو من باب الشكاية وعرض الحال، فهذه الأمور مما يستقبح ذكرها، ويكره عرضها على البشر الذين لا حول ولا قوة لهم إلا بالعزيز الحكيم، فالأولى في مثل من وقع في ذلك أن يعرض عن ذلك ويبث شكواه لخالقه، وإن لزمه الشورى والسؤال فلتكن بالتعريض في المقال، وليفهم ذلك الداعية والمربي فلا يغرق في السؤال والتفاصيل والجزئيات.

11.كن رفيقًا رحيمًا في أسلوبك وحرصك وحوارك، ولاتكن فضًا فيُعرض عنك. ولا يكن رفقك هذا معينًا طريقًا للجرأة على الذنب واقتراف المعصية، بل معينًا للتوبة ودفع المذنب للطاعات وترك المهلكات. لتدبر قول الحق تعالى: (لَقَدْ جاءكم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حريص عليكم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) . سورة التوبة: 128. (وليس من الرفق بالمؤمنين إعانتهم على المعاصي والمحرمات، وإنما الرفق بهم تعليمهم الدين وأحكامه، والحث على فعل ما ينفعهم في الدين والدنيا ولو كرهه من كرهه؛ كما ينبغي أن يرفق بهم في الدعوة إلى الرشد والهدى، فقد أمر تعالى

(1) "الفوائد", ص 141.

(2) "الفوائد", ص 106.

(3) رواه البخاري (6069) ومسلم (2990) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت