وكان نور الدين بالموصل، أقام فيها أربعة وعشرين يومًا، فلما كانت آخر ليلة أقام بها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له: طابت لك بلدك وتركت الجهاد وقتال الأعداء؟.
فنهض من فوره إلى السفر، وما أصبح إلا وهو سائر إلى الشام.
وفاة نور الدين:
أصيب نور الدين بالتهاب في حلقه يسمى الخوانيق فتوفي عن عمر بلغ ثمانية وخمسين عامًا.
كان طويل القامة، أسمر اللون، حلو العينين، واسع الجبين حسن الصورة، مهيبًا متواضعًا.
وكان شجاعًا صبورًا في الحرب، يضرب به المثل في ذلك، وكان يلقب بالشهيد وقد وضع المكوس وسبب ذلك أنه دخل عليه أبو عثمان الواسطي، وكان من كبار الصالحين فأنشد نور الدين قصيدة منها:
مثل وقوفك أيها المغرور
يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل: نور الدين رحت مسلمًا
فاحذر بأن تبقى وما لك نور
مهد لنفسك حجة تنجو بها
يوم المعاد لعلك المعذور
فلما سمع نور الدين هذا الشعر بكى، وأمر بوضع الضرائب في سائر بلاده.
وقد كان هم نور الدين فتح القدس الشريف، حتى إنه أمر بصنع منبر للمسجد الأقصى لينقل إلى بيت المقدس بعد فتحه واسترداده من أيدي الصليبيين قبل عشرين سنة من فتحه، وقد جاء على يد صلاح الدين وهذه الثقة بالله ثم بالنفس، لم بعهدها التاريخ لبطل من أبطال الإسلام غير نور الدين.
فبعد توحيد مصر والشام، صار الطريق معبدًا لفتح القدس أمام صلاح الدين، وكان فتح القدس ثمرة من جهاد آل زنكي؛ بدءًا بالجد زنكي، ثم عماد الدين ولده ثم نور الدين الحفيد، رحم الله آل زنكي آل الجهاد وتحرير القدس، ورحم الله فقيد جهاد القدس نور الدين الشهيد.